النوادي العلمانيّة والهيمنة المضادّة


مرّ أكثر من عام على 17 تشرين 2019، ومن الضروري العودة إلى هذا التاريخ في مراقبتنا لمسار الإنتفاضة ونقدها، لإعادة طرح أسئلة 17 تشرين التي أجابت عليها المعارضة، تارةً في شكلٍ مقنع، وطوراً في شكلٍ سطحي. وقد يبقى السؤال الأبرز حول الوسائل الأكثر فاعلية لمواجهة النظام وكيفية هدم بنيته.

في مقالي هذا، أتوقّف عند تجربة النوادي العلمانية في الجامعات اللّبنانية التي رأت في الهيمنة الثقافية المضادة الرهان الأقوى لهدم قواعد النظام وبنيته، خصوصاً بعدما فازت في الإنتخابات الطلابية.


الانتخابات الطلابيّة والمعارضة

شكّل انتصار النوادي العلمانية هذا جدلاً داخلياً في صفوف المجتمع اللبناني، ولا سيّما بعد نتيجة انتخابات الجامعة اليسوعية، أي الجامعة المحافظة التي لطالما استخدمتها أحزاب الطوائف ساحةً للمعارك. فتشهد هذه الجامعة كلّ عامٍ إشكالاتٍ مذهبيّةٍ بين الطلّاب، خاصّةً في صرح هوفلان، تنتهي دائماً بتدخّل القيادات السياسية من أجل فضّها. بات حجم فوز النادي العلماني ضخماً، فتبعت النتيجة الإنتخابية حملة ممنهجة من الأحزاب الخاسرة، ولا سيّما القوات اللبنانية والتيار الوطني الحر، استهدفت النادي في محاولةٍ للتشهير به والتقليل من قيمة فوزه.
ولا عجب في ذلك:

فالنادي العلماني يحمل من جهة خطاباً لا يخشى مواجهة النظام الطائفي وميليشيا حزب الله من منطلق وطني علماني سيادي، ويحمل من جهةٍ أخرى مشروعاً نقابياً للدفاع عن حق الطلاب في التعلّم كما عن حقهم في التنظيم والعمل السياسي داخل الجامعة. وبالتالي، يشكّل الخطاب الأكثر خطورة على النظام.

تراوحت الآراء حول أهمية هذه النتائج بعد انتهاء الإنتخابات:

رأى بعض اليسار في الإنتخابات الطلابية في الجامعات الخاصة انتخابات طلّاب «البرجوازية» وبالتالي لا تتجاوز دلالاتها إطار الجامعة، فيما رأى الليبراليون في الفوز فرصة جيّدة لتسويق معاركهم المركزية مع النظام، إذ لا تزال أفق التغيير عند أغلبية المعارضة تتعلّق بطرح حكومة إنتقالية من هنا وإنتخابات نيابيّة مبكرة من هناك.

يأتي كلّ هذا نتيجة أولوياتٍ وضعتها المعارضة في خياراتها لمواجهة النظام، ولا سيّما السعي عبر آلياتٍ تقليديةٍ، مثل الاستحواذ على مناصب ومسمّياتٍ حكوميةٍ وتشريعيةٍ، مع غياب تامّ لأغلب المجتمع السياسي، الممثّل بالأحزاب والتنظيمات السياسية والنقابات. هذا ما يؤكد فقدان فكر اجتماعي واقتصادي ضروري كي يُطرح كبديل لما هو قائم سابقاً والمطلوب تغييره.


الهيمنة الثقافية المضادّة

أمّا نحن النوادي العلمانية، فرأينا في تلك النتائج نجاحاً في قدرتنا على فرض هيمنة ثقافية «مضادة» للنظام داخل المساحات الطلابية كجزء أساسي من طرحنا السياسي.

ذلك لأن الدولة، ومن دون التقليل من أهمية خوض المعارك المذكورة أعلاه، لا تُواجَه فقط من خلال الهيمنة على الحكومة عبر حكومةٍ انتقاليةٍ أو على البرلمان عبر انتخاباتٍ نيابيةٍ مبكرة.

تُواجَه الدولة، حسب المفكّر الماركسي أنطونيو غرامشي، بالهيمنة الثقافية المضادة على أجهزة الدولة الأيديولوجية، سواء كانت:

  • سياسية: عبر مواجهة سطوة أحزاب الطوائف بتنظيماتٍ علمانيةٍ ديمقراطيةٍ بديلةٍ.
  • نقابية: عبر خلق نقابات قاعدية بديلة عن النقابات المسيطر عليها من قبل النظام.
  • إعلامية: عبر خلق وسائل إعلامية بديلة عن أعلام السلطة.

يرى غرامشي في الهيمنة الثقافية أساس ممارسة السلطة، لذا تلجأ الدولة إلى أجهزتها الأيديولوجية لفرض هيمنتها على المجتمع. فتسيطر باستخدام القوة عبر الشرطة والجيش والقضاء كلّما عجزت عن السيطرة بمفهوم التراضي عبر منظومة الاقتصاد والمجتمع السياسي والمدني. أمّا ما نقصده بالمجتمع المدني هنا، فليس المؤسسات غير الحكومية طبعاً، وإنّما المؤسسات التي لا تأخذ عادةً طابعاً سياسياً بوضوحٍ لكنّها بالرغم من ذلك أثبتت عبر التاريخ أنّها مؤسساتٌ سياسيةٌ بكل ما للكلمة من معنى مثل الكنيسة والجامع والمدرسة والمكتبة والجامعة.


النوادي العلمانيّة والهيمنة المضادّة

لذا يترتّب على قوى المعارضة أن تصطدم مع النظام خارج المؤسسات الرسمية «التقليدية»، وإلّا يكون مصير أفرادها الاصطدام مع الوجه البوليسي للدولة كما يقدّمه غرامشي، أي الاصطدام بالعنف القسري عبر الأجهزة السلطوية العسكرية والأمنية والقوانين التي تنتجها السلطة لتضييق الحريات بهدف منع أي محاوله لخلخلة بنى النظام.

وهذا ما اهتمت به النوادي العلمانية حين قرّرت خرق تلك الهيمنة عن طريق خلق مساحة للنقاش السياسي في الجامعة عبر تنظيم ندوات ونقاشات طلابية حول مواضيع عدّة وحساسة، وبالتالي نقل الممارسة السياسية داخل الجامعة من المذهبية إلى الديمقراطية الفعلية. وعلى هذا الأساس، يستقطب النادي طلاباً جدداً يتنظّمون ضمنه بغاية العمل السياسي المتواصل على مدار السنة داخل حرم الجامعة وخارجه.

يمكن القول إنّ تجربة النوادي العلمانية قد أربكت أحزاب الطوائف نتيجة الهيمنة المضادة داخل مختلف المساحات، حيث أصبحت قادرة على استقطاب جماهيرها اليها. وباتت تمثّل فعليًّا شريحة ساحقة من الطلاب والشباب نتيجة توسّعها. فأصبح النادي حاضراً في أكثر من 10 جامعات مختلفة، كما في قطاعاتٍ مهنيةٍ ومناطق عدّة، وذلك بشكلٍ قاعدي بحت:

دستوره فكرٌ شبابيٌ منحازٌ إلى تحرّر الشعوب وحقّهم بتقرير المصير، معتمدٌ ثقافةً تدمج بين العدالة الأجتماعية والحريات، فلا تخشى الدفاع عن الحقوق الجنسية كما عن العدالة الاقتصادية، ورهانه إعادة تعريف السياسة في الجامعة والمساحات الطلابية والقطاعية المهيمن عليها ثقافيا من قبل النظام.

إضافةً إلى ذلك، لا يمكن قراءة هذه الحركة كحالة منفردة ومستقلّة في جامعة واحدة، وإنّما كجزء من مشروعٍ تقدّميٍّ تغييريٍّ على المساحة الشبابية ككلّ يدعى «مدى»:

مشروع يطرح المسائل التي يريدها، يستقطب الشباب من كافة الخلفيات تحت خطابٍ واضحٍ، يشتبك مع النظام في معقل أجهزته الأيديولوجية (مثل الجامعة) كما في الشارع، والأهم أنّه لا يقع في انقسامات النظام العموديّة.


ختاماً، لقد برهنت النوادي العلمانية أهمية خوض المعارك في المؤسسات الحيوية التي لا يراها المجتمع دائمًا «سياسية»، إذ لا يمكن هدم هذا النظام دون التحرّك قاعديًّا، من النقابات إلى الجامعات وصولاً إلى المدارس والمسارح والصحف وكامل مساحات المجتمع: المعركة لا تكون في إلغاء السياسة، بل في خلق نقيضٍ منظّمٍ لها. إذاً، على المعارضة أن تبدأ من هنا وألّا يكون مصيرها مثل من سبقها على هذه البقعة من الأرض: القمع أو الانحلال.

مــــــلــــــف
مخــتبر الثــــورة

يقترح هذا الملف مساحة مفتوحة لطرح اقتراحات تخصّ مسار الثورة، بعضها سجالي أو خارج الحدث، وبعضها الآخر عملي. يدعو هذا الملف كتّاباً وكاتبات للمساهمة باقتراح في السياسة، بمفهومها العريض، ليصبح نقطة سجال أو نقاش أو بحث، تنشر مرة كل أسبوع. وتطمح هذ المساحة أن تشكّل مساهمة بسيطة بعملية التفكير الجماعية التي تُعرَف بالثورة، كمحاولة لتأمين بعض الاستمرارية لهذا المختبر الذي لم يتوقّف عن مفاجأتنا.


التمويل كعمل تشاركيّ

فتمويل القوى المعارضة أو الحملات الإنتخابية ليس عملية منفصلة عن العمل السياسيالاحتكاك المباشر مع الناستكثيف التعاونياتالاتّكال على تمويل جماعيتمويل الدولة للحملات الانتخابيةموعد الانتخابات النيابية والبلدية المقبلة

ديالكتيك «كلّن يعني كلّن»

يتحمّل مسؤوليّتها كلّ من تعاقب على السلطةيضيّع المسؤولية المباشرة لطرف محدّدما يبدو ثوريًا في لحظة، يمكن أن يكون رجعيًا في لحظة أخرىاستراتيجية، هدفًا، مشروعًا سياسيًا أولًا، وتكتيكًا نعتمده لنحقق هذا الهدففمن الكتائب، إلى المستقبل، وصولًا إلى حزب الله