الهلع من النظام

لم يأتِ فيروس الكورونا وحده، بل جاء مصحوباً بالهلع بسبب انتشاره السريع. فتحوّل كلّ حاملٍ للفيروس إلى الفيروس نفسه. هلع طال كافّة القطاعات، لكنّ ضحيّته الأولى كانت الطبقات الفقيرة والعاملة والطلاب الذين يتحمّلون بشكل كبير قرارات التوقّف عن العمل في المصانع والشركات، أو إخلاء الأبنية والمؤسسات التعليمية.

فالفيروس، في النهاية، كثّف انحيازات النظام الرأسمالي العالمي. وفي لبنان حيث يعتمد النظام على قطاع الخدمات على حساب القطاعات الإنتاجية الأخرى، يأتي إعلان الإقفال شبه التامّ للمؤسّسات العامّة والخاصّة، ليضاعف من الأخطار التي تواجه اليد العاملة.


الهلع يأتي من عدم الثقة بالنظام نفسه، ذاك النظام الذي عمل على نفي الهلع في خضمّ الأزمة الاقتصادية التي تهدّد أمن الناس المعيشي بشكل مباشر، واحتجاز مصارفه لأموالهم وتضييق الحدود على سحوباتهم، بحيث أصبحت مفردة «الهلع» مرتبطة بشكل وثيق بالأزمة الاقتصادية التي يدفع الناس ثمنها. الأمر نفسه ينطبق على الأزمة الصحية التي فرضها انتشار وباء الكورونا وعدم الثقة بأن النظام سيتمكن بالاستجابة لها، في غياب بنى صحية وانعدام الإمكانيات نتيجة لسياسات النظام نفسه في العقود الأخيرة. وليزيد الأمر سريالية، استخدم وزير الصحة في الحكومة التكنوقراطية عبارة لا داعي للهلع عند الإعلان عن أول حالة للإصابة بفيروس الكورونا في لبنان. لا بدّ أنّ هذه العوامل، بالإضافة إلى انتشار الفيروس بشكل سريع، قد أعطت هامشًا لتصديق الخرافات الدينية عند شريحة معينة من المؤمنين كحل لهذه الأزمة، والتي شارك في إنتاجها إعلام النظام نفسه، بمواكبة «تراب مار شربل» خلال دخوله إلى مستشفى الحريري الحكومية الجامعي على سبيل المثال لا الحصر.

الهلع يأتي من عدم الثقة بالنظام الطبي، ذاك النظام الذي يعطي الأفضلية للمراكز الطبية الخاصة على حساب القطاع الصحي العام. وهو ما ظهر من خلال بيان مستخدَمي ومتعاقدي وأجراء مستشفى رفيق الحريري الحكومي الجامعي، الذين أعلنوا الإضراب بسبب ما وصفوه بـ«الظروف القاسية والمصاعب» و«اللامبالاة الواضحة من الإدارة والمعنيّين». ورغم هذه الأفضليّة، لم تتردّد المستشفيات الخاصة، عند بداية انتشار الفيروس في لبنان، في التنصّل من مسؤوليتها في تقديم الرعاية الصحية للأشخاص الذين قد تظهر عليهم عوارض الفيروس، وتحويلهم إلى المستشفى الحكومي الذي لا يملك الموارد الكافية للمواجهة وحده. الهلع يأتي من هناك، من الأوليغارشية المتمثّلة بالمستشفيات الخاصة التي تفضّل مرضى على مرضى آخرين، بحسب إمكانيّاتهم المادية، والتي تحدّد مَن هو الأَوْلى بالعلاج، بتمييزها بين مرضى شركات التأمين ومرضى الضمان الاجتماعي ووزارة الصحة. الهلع يأتي من عدم الوصول إلى هذه الخدمات أساسًا، وعدم توفّرها للجميع.

الهلع يأتي من عدم إمكانية الوصول للإجراءات الوقائيّة. ففي ظلّ تراجع القدرة الشرائية عموماً بسبب الأزمة الاقتصادية، تبدو بعض الإجراءات الوقائية متاحة للطبقات الوسطى والغنية فحسب. فسلع الوقاية غير متوفّرة في الأماكن العامّة كسيّارات الأجرة والنقل العام مثلًا، حيث الفيروس هو أكثر عرضةً للانتشار من الأبنية الحكومية الفارغة.


يكشف الكورونا عُمق الأزمة في النظام، في حكومة البروفيسور المتخصّصة الإنقاذيّة، التي لم تتعاطَ بجدية مع إجراءات الفحص في المطار، والتعويل على الحجر المنزلي على الأشخاص الوافدين من المناطق الموبوءة والتقاعس في متابعتهم، الأمر الذي تسبّب بارتفاع عدد الحاملين للفيروس.

ثمّ جاءت حالة الطوارئ و«التعبئة العامة» ليرمي النظام بفشله على الفئات الأكثر عرضةً للإصابة. ففي ظلّ نقابات تسيطر عليها الأوليغارشية، تتحمّل الطبقة العاملة خسائر الأزمة التي أنتجها الوباء. يتحمّلها لكل عامل مُجبَر على العمل في هذه الظروف، وأولئك الذين توقّف عملهم بسبب حالة «التعبئة العامة» التي أعلنتها الحكومة دون الحديث عن أي إجراءات لحماية هؤلاء العمال أو التعويض عليهم جرّاء أي خسائر مادية ستطالهم.

الهلع يأتي من النظام نفسه الذي ذهب إلى حلول يتحمّل تبعاتها الشعب، بعمّاله وطبقاته الفقيرة. وهذا ما يعيدنا إلى 17 تشرين، إلى الصراع الطبقي مع هذه الأوليغارشية بكافة مؤسّساتها، وأهمية الإطاحة بها.

بتُّ أحلم بسجنٍ هائل

يَعلَمُ عقلي أنّ العدوَّ هو الهلع وليس الفيروس من وباء التمييز الطبقي ولن يجدي الاحتياطُ والحذر كثيراً، ولن تكون إصابتي حالة استثنائية البتّة اُحْجُزْ نفسك، اِغْسِلْ يديك، عَقِّمّ كلّ شيء، اِبْتَعِدْ عن البشر، أي أَوْصِدْ بابَك وانْتَظِر

الوباء بعد الثورة

أعاد المرضُ الكائنات إلى طبيعتها البيولوجية تناسى المجتمع الموبوء أنّ شباب الديليڤري سوريّون وسرعان ما تحوّل البيولوجي إلى طائفي النظام عاد من بابه البيولوجي ومعه أبواقه الإدراك بأننا سنعود إلى ما كنّا عليه