99 بالمئة من الجراثيم

غسلتُ يديّ بسائل يقال إنّه يقتل أكثر من 99 بالمئة من الجراثيم.
ارتديتُ قفازات بلاستيكية لسبب ما زلت أجهله.
وضعتُ كمّامةً على وجهي، الكمّامة ذاتها التي أستعملها منذ بداية الوباء، والتي باتت بيئةً حاضنةً للجراثيم.
انتهيتُ من هذا الطقس اليوميّ وخرجتُ من حجري الصحّي محافظًا على مسافة المتر ونصف من جراثيم الآخرين.

لكن ككلّ مرّةٍ أخرج فيها من البيت، لم أستطع أن أتمالك نفسي.
أنظر إلى تلك الكمّامات من حولي، فتسيطر عليّ حالة من الشكّ المريب، حالة تدفعني إلى خلع هذا الزيّ بغضب لكي أعود إلى طبيعتي ما قبل الكورونية. ربّما أكون الوحيد الذي يعاني من حالة شكّ كهذه. لكن رغم توبيخ إعلاميّي الوباء، لم أستطع التخلّص منها مهما حاولت.

فاعذروني، وحافظوا على مسافةٍ منّي، ولا تخلعوا كمّاماتكم في حضوري، وطسّوني بالسبيرتو إن اقتربتُ منكم، واحرقوا قفّازاتكم إذا لمستُموني. فقد حاولت كثيراً، لكنّي لم أستطع التخلّص من هذا الشكّ.


لستُ فخورًا بهذا الشكّ، بل أخاف منه. أخاف أن يحوّلني واحداً من هؤلاء الذين يشكّكون بالعلم وحقيقته، هؤلاء الذين لا يؤمنون بجدوى التلقيح أو بالاحتباس الحراري أو بنظرية التطوّر، ويرَوْن عقاباً إلهيّآً في الكوارث الطبيعية.

لا أذكر أنّني كنت من المشكّكين بالعلم في الماضي. لكنّ حالة التشكيك الحالية لا تستند إلى أيّ حقيقة علمية أو تحليل منطقي. تبدو عنيدة، قديمة، صلبة، كأنّها كانت دائمًا هنا، تختبئ في زواريب مخّي. ربّما كنتُ واحداً من أولئك الـ«بلا مخ» الذين تتحدّث عنهم مقدّمات الأخبار. لا أدري.

عدتُ وارتديتُ كمّامتي علّها تخفّف بعضًا من وطأة هذا الشكّ. حاولت ترشيده نحو مسائل أكثر جدّية وتحويله من شكّ هدّام إلى نقد بنّاء. بدأتُ أسائل الإجراءات الصحية وكلفتها الاجتماعية، وأطابق خريطة انتشار الوباء مع خريطة انتقال رأس المال، وأجد في فشل النيوليبرالية بعضاً من الثبات لمواجهة حالة الشكّ هذه. وجدت في يساريّتي بعضًا من الطمأنينة، في «واو عطفها» حلًا لكل شيء:

محاربة الوباء و نقد السلطة

إجراءات صحّية و ثورة

ارتياب عام و ثبات نظري

قدّم هذا الموقف السياسي بعضًا من الهدوء الداخلي. فلبست قفازاتي البلاستيكية، وبدأت أتابع أرقام الوباء لأصلّب قناعاتي الجديدة وأعاين حالة تطوّر حربنا على الوباء.


لكنّ الأرقام سيفٌ ذو حدَّيْن، «الزائد منها أخو الناقص»:

– هل تعرف كم حالة كورونا هناك في الضاحية؟ آلاف إن لم يكن أكثر.

– خسرنا الحرب على الوباء إذن؟

– أكثر من 70 بالمئة منا سيمرضون يومًا ما.

– يعني خلص خسرنا الحرب

– نصف المصابين عوارضهم خفيّة

– أنا مصابٌ إذن. الأرقام تؤكّد ذلك: أنا من الـ50 بالمئة تبع الـ70 بالمئة الذين أصيبوا بجرثومة الـ1 بالمئة التي لم تقتلها السوائل السحرية.

عاد الشكّ مدعومًا بالأرقام هذه المرّة. بدأت أغسل يديّ بالسائل وعندما لم يعد ينفع ذلك، دلقتُه على نفسي ريثما يقتل كلّ شيء، ويقتل معه هذا الشكّ اللعين. بدأ الناس ينظرون إليّ باستغراب من وراء كمّاماتهم.

اقترب أحدهم ليطمئنني، فقال: «لا تقلق، طبيعي ما يحصل معك، فإنك تعاني من حالة حزن. وكما نعرف من المراحل الخمسة للحزن، فأنك من زلت بمرحلة الإنكار».
رغم حالة الشكّ، ما زلت متأكّدًا من كرهي للاستعارات، بخاصة تلك القائمة على الموت والاغتصاب والمرض. فتجاهلتُه واستمرّيتُ بدلق السائل على جسدي.

وغضبَ آخر من حالة الشكّ فصاح بوجهي: «أمّك؟ ما بتفكر بأمّك؟ إذا كان هناك 0.01 بالمئة إمكانية أن تقتل أمّك، هل تقبل بهذا الخطر؟».
لم استطع الردّ عليه لأنّ السائل كان قد بدأ يحرق زلعومي. فغضب أكثر وصرخ: «طيّب مش أمّك، إمّي؟ هل تريد قتل أمّي؟». لم أفهم كيف تحوّلتُ من شخصٍ يعاني من حالة شكّ إلى قاتل أمّ شخص لا أعرفه.

عاد الأوّل ليقول: «تقبّل موت عالمك واحزن».
بدأتُ أحاول تفسير حالة الشكّ التي تسيطر عليّ، متشردقًا من هذا السائل الذي بات يملأ فمي، فأصرَّ الأوّل «بسيطة، أنت غاضب وهذه المرحلة الثانية، فاخرج غضبك عليّ ولكن اترك الكمامة على وجهك».

ثمّ سعلت. فساد الصمت. ابتعد الجميع. زال الشكّ. وقفتُ وحيدًا. عدتُ إلى المنزل. ملأتُ المغطس بالديتول. واستلقيت فيه.