بعد القنبلة، جاء العسكر

بعد أسبوع على إلقاء القنبلة، أرسلوا العسكر لينقضّ على من تبقّى قيدَ الحياة في المدينة. اجتمعت مجموعة الفئران في برلمان خفيّ، وأقرّت حالةَ طوارئ أمنية لتمنع تحويل عمل الإغاثة إلى حركة احتجاجية وتسرّع تحويل المأساة إلى «فرصة». فقد «نظّفوا الشوارع ولملموا الجرحى ورمّموا المباني»، تقول لنا السلطة، «ولكن من دون اعتراض». فالطبقة الحاكمة تريد استغلال المأساة، تريد شراء العقارات، تريد السيطرة على المساعدات، تريد إنعاش نظامها المنهار. والجيش دائمًا في الخدمة، ريثما يحظى بعض ضبّاطه بشيء من مكاسب الفاجعة.

بعد أسبوع على إلقاء القنبلة، لاحظت السلطة أنّه ما زال هناك حياة تحت الردم. فالانفجار لم يقتل الجميع. بقيت هناك مجموعات من الناجين تتحرّك في الطرقات. لكن بعد اليوم، بات مشروعًا للعسكر أن يلاحقوهم إلى داخل بيوتهم المتصدّعة. والانفجار لم يُسكت الجميع. بقيت هناك بعض الأصوات المعترضة التي تطالب بالمحاسبة. لكن بعد اليوم، أصبح مشروعًا لمديرية التوجيه إسكاتها. والانفجار لم يردع الجميع. بقي هناك مدنيّون يقاومون عهد القنبلة. لكن بعد اليوم، أصبح مشروعًا للقضاء العسكري محاكمتهم. والانفجار لم يقضِ على الاحتجاج. بقي هناك من يتظاهر ويسقط حكومات «الموت المشترك» وصور الرئيس القاتل. لكن بعد اليوم، بات مشروعًا لمخابرات الجيش خطفهم في منتصف النهار.

لم يبقَ للمرشد الذي لا يعلم والرئيس الذي كان يعلم، والطبقة السياسية من حولهما، إلّا الاتكال على قمع المؤسسات العسكرية لكي يحافظوا على شيء من سطوتهم المهترئة. كانت هناك بعض المناطق الخارجة عن سيطرة مربّعاتهم الأمنية، فوكّلوا الجيش الدخول إليها وإخضاعها.

ولا تكفي هنا تطمينات الرئيس الأزلي للمجلس الساقط لكي يغيّر معنى ما حدث. فما تمّ التصويت عليه اليوم هو شرعنة القمع وفتح الباب أمام انزلاق أمني يعيدنا إلى أيام الوصاية السورية، ولكن بنكهة «وطنية». فالمؤسسة العسكرية، كالليرة الوطنية، باتت رمزًا فارغًا لوحدة غائبة، وتشكّل اليوم الغطاء لأجهزة أمنية حزبية بات لها رعاية رسمية. 


لن تقاوَم حالة الطوارئ من خلال التحاليل والكلمات والتظاهر فحسب. تقاوَم أولًا من خلال تجاهلها، ومن خلال رفض اعتبارها أمراً واقعاً، ومن خلال رفض ابتزازنا بها. تقاوَم حالة الطوارئ من خلال التمسّك اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بالشتيمة، وخاصةً تلك الموجّهة للرئيس القاتل، ومن خلال التمسّك بالعنف ليس كوسيلة بل كهدف بحدّ ذاته يمنع التطبيع مع حالة الطوارئ، ومن خلال التمسّك بالحقيقة بأنّ الأجهزة الأمنية- وعلى رأسها المؤسسة العسكرية- كانت تعلم ولم تفعل شيئاً.

المعركة اليوم هي لتحويل «حالة الطوارئ» إلى شيء يشبه سعر الصرف الرسمي، مجرّد قرار مؤسّستي لا معنى له خارج هلوسات المجلس الأعلى للدفاع. فهناك عالمان يتواجهان: عالم سعر الصرف الرسمي وحالة الطوارئ وحكومة الوحدة الوطنية والفرصة التي تشكّلها المجزرة، وفي وجهه عالم الزجاج والدمار والانهيار. لم يبقَ لنا الكثير في عالمنا، ولكنّنا لن نسمح لدخول عسكركم إليه.

الدولة البوليسيّة القادمة

يمكننا أن نلحظ الأمن وراء عدد كبير من الإجراءات يعود الأمن ليطلّ من الزاوية الصحية التشريع ذات الأثر الرجعي يهدّد الحريّة الخاصة واستمرار العمل الاقتصادي لا يمكن للدولة أن تحاسب أحداً على جرم لم يكن جرماً عند اقترافه

العزاء المستحيل والعدالة المعلّقة

لم يموتوا ليحيا لبنان مزّقت الجريمة الشاملة نسيج الحياة اليوميّة العاديّة من يستطيع أن يسترجع الشعور بالأمان في منزله بعد الجريمة؟ فتطمس خصوصيّة الجريمة الشاملة مشاريع ضحايا حوادث عرضيّة مستقبليّة