من عبد الناصر إلى نصر الله: بلاد العملاء أوطاني

لم تكد تنقضي بضعة أشهر على شنّه حملةً أمنيةً شرسة على شيوعيّي بلاده في 1 كانون الثاني 1959 اعتقل على أثرها المئات من المناضلين، حتى اتّهمهم جمال عبد الناصر مجدّداً بالتآمر. وجّه زعيم العروبة التهمة هذه المرّة من مومباي عندما نبّه محدّثه، ر.ك كارنجيا، إلى مؤامرة كبرى يحيكها الشيوعيّون ترمي إلى إنشاء «هلال أحمر» يضمّ العراق، سوريا، الأردن، لبنان والكويت. ثمّ أضاف أنّ التخطيط لذلك حصل خلال المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي السوفياتي حيث اتُّفِق على إنشاء حركةٍ سريّة تعمل على تفكيك الجمهورية العربية المتحدة وقيام «الهلال الأحمر» الذي يتّخذ من بغداد مركزاً للثورة المضادة على القومية العربية.

لنترك عبد الناصر وحيداً في حجرة التاريخ للحظة، ولنعُد إلى حاضرنا.

بعد بضعة أسابيع على بداية الحراك الجزائري (شباط 2019)، هدّد أحمد قايد صالح، رئيس أركان الجيش، الثوّار المطالبين بتنحّي كلّ رموز النظام. زعم أن الحركة الشعبية تمّ اختراقها من قبل جهات أجنبية تعمل على زرع الفتنة. كما أعلن عن إحباط الجيش لمحاولات تسلّل الأطراف المشبوهة من أجل حماية الهبّة الشعبية من المتربّصين بها في الداخل والخارج… مثل بعض العناصر التابعة لبعض المنظمات غير الحكومية التي تمّ ضبطها متلبّسة، وهي مكلّفة بمهام اختراق المسيرات السلمية وتوجيهها. وختم بالتحذير مجدّداً من الأطراف الساعية إلى ركوب موجة المسيرات لتحقيق مخططاتها الخبيثة.

أمّا مرشد الجمهورية الإسلامية، علي خامنئي، فوصف انتفاضات العراق ولبنان بأعمال شغب تديرها أميركا وإسرائيل وبعض دول المنطقة. بينما استعار حسن نصر الله، مرشد الجمهورية اللبنانية، من أحمد قايد صالح التحذير من ركوب الموجة، ومن عبد الناصر تُهم العمالة.


مؤامرة كبرى، أصابع خفية، مخابرات غربية، سفارات أجنبية، مؤتمرات عالمية، حركات سرّية، تمويل دولي، مخططات خبيثة: لا جديد تحت شمس سلطاتنا الحاكمة من الشام لبغدانِ. بلاد كتب لها أن تلد «العملاء» جيلاً بعد جيل. لكن لحسن الحظّ، أنعم عليها بقادة تاريخيّين لا يغمض لهم جفن قبل التصدّي للمتربّصين والمشغّلين والخونة. لغة جاهزة، كالوجبات الجاهزة، يستطيع الكلّ تناولها بدون بذل أي جهد. فهي أداة بمتناول القومي العربي والإسلامي واليساري والقومي اللبناني وكلّ من أراد نزع الشرعية السياسية عمّن يعارضه من خلال رميه بلعنة العمالة.

قد يختلف مَن يغرف من مفردات تلك اللغة الفقيرة على الكثير، إلّا أنه يشترك مع زملائه بكُره الديموقراطية، بما هي عملية حكم الناس لنفسها، لا تُختزَل بالانتخابات النيابية. فلا قدرة للناس في عُرْفهم على العمل السياسي العلني واتخاذ قرارات تمسّ مصالحهم. القرار في نهاية المطاف للزعيم- الوصيّ الذي يرسم إطار التحركات. إن غاب الزعيم الوطني، وجب حضور المُشغِّل الأجنبي، وإلّا فمَن يتّخذ القرار؟
فالمواطن- المعارض «الحاف» الذي لا نسب له، مشبوه رأساً. لذا تأرجحت السلطة ما بعد 17 تشرين ما بين تحديد نسبة الثوّار إلى أطراف داخلية وجهات خارجية.

لا تطال تهم العمالة الأفراد فقط. فبعد تدجين بعض الأحزاب المعارضة للأنظمة والقضاء على بعضها الآخر، تستهدف السلطات المؤسّسات المستقلّة عنها كالمنظمات غير الحكومية والمسارح ومنصّات الإعلام الخارجة عن سيطرتها. فظهر أخيراً فيديو تخويني لموقع «درج» الإعلامي، يتّهم الصحافية ديانا مقلّد بأنّها مشغِّلة الناشطة نضال أيوب، بتمويل خارجي «لدعم النازحين وخلق الفوضى». يركّب الفيديو لعبة دمى روسيّة، بأقلّ من دقيقة ونصف، ويخلص إلى أنّ الثائرة أداةٌ بيد صحافية هي نفسها مأجورة لجهات خارجية تسعى لتغليب مصلحة غير وطنية.


عندما خوّن عبد الناصر الشيوعيّين، لم يكن نصر الله قد وُلِد بعد. وعندما اتّهم نصر الله الثوّار بالعمالة، كان قد مضى ما يقارب نصف قرن على وفاة عبد الناصر.
تغيّر العالم كثيراً في الستّين سنةً الأخيرة. واكبتْ سلطاتُنا، كعادتها، التطوّر فأصبح تخويننا اليوم متعدّد الوسائط، يساهم أنصار الزعماء بإنتاجه بعدما كان حكراً عليهم وعلى كتّابهم. أمورٌ كثيرة تفرّقنا من بغداد للجزائر، إلّا أنّنا نتوحّد بعيون حكّامنا الذين جعلوا منّا عملاء وخونة. وذلك إن دلّ على شيء، فعلى شرعية الثورات ضدّ العفن المُزمن الكاره للديموقراطية… ولو في وجهنا وقفت دهاة الإنس والجان.