بلاد المجاعة والظلام

أحسّ بالحنق كلما شاركني فرنسيّ جملته الذهبية، عن لبنان المختلف عن محيطه، ورغبته الملحّة في زيارته. ولأسباب لا أستطيع تحديدها، أكاد أنفجر. وحين أشرح غضبي من بلدي الذي هجرتُه منذ العام 2015، وحزني في الوقت نفسه على سكانه اليوم، يُغلق هذا الفرنسيّ فمي بسرديّة البلد الذي يرقص ويبتهج، تحت النيران والفقر والمتفجرات.

يعدّد الفرنسيون حكاية اللبناني «العيّيش». المرِح. المقاوم لشتّى أنواع العذابات اليومية، بكأس عرق أو رحلة إلى الشاطئ، أو بمجرّد الجلوس على الشرفات.

وكنّا نكرّر الحكاية نفسها أمام الأغراب مصرّين على العيش في الأسطورة. داخل الحكاية المتخيّلة عن بلدنا وسكانه الجبابرة، الممتلئين بنعمة الأمل، أو متخفّين وراء نكراننا الذي نصنع منه فقاعات كي لا ننهار،

أو كي لا نتعب، كما يقول لي ابراهام، صديقي الذي عاد إلى بلده من برلين، وأعاد بناء حياته على إيقاع الصعوبات والآمال الكبرى. ابراهام الذي يوثّق من حيّه البيروتي موت لبنان الغارق في ظلامه الدامس، أو يحيل لنا نحن الذين نعيش في منافينا، نسخاً معدّلة من الانهيار الكبير. التسمية التي يحلو لي أن أعتقد أنها اشتُقّت منذ لحظة إعلان لبنان الكبير الذي لم يكبر يوماً، بل استحال طائفياً ومناطقياً وعشائرياً إلى كونتونات جاهزة لحروب غير معلنة.
بلد لم يكبر إلا في فقاعة عيشه المشترك وأكذوبة اقتصاد البحبوحة. بلد عاش في موته السريري طويلاً، منذ أن حلّت عليه العصابة. سرقتْه وامتصّت شرايينه وهجّرت شبابه. والآن ها هي حكومة التكنوقراط المتخصّصة بالتعفيش، تقضي على آخر ما بقي منه.

البلد- البقرة الحلوب التي التأم حولها وحوش الطوائف وزعماء الحرب والميليشيويّون والسارقون ومرتزقة الأموال المزوّرة والمشاريع الخاصة وأصحاب المشاريع الإلهية ومتعهّدو حروب الآخرين والمستشارون الجدد. البقرة الممزّقة التي لم يُبقوا منها سوى جلد رثّ. سكان لبنان الذين يعيشون في الصور المتخيّلة والواقعية عن لبنانهم المعتِم والفقير والذاهب إلى مجاعته، يتمسّكون بهذا الجلد الرثّ. يُعميهم الحب الذي يسرّهم أن يعلنوه بكل يأسهم، من منافيهم الداخلية والخارجية. من شققهم الصغيرة في بلاد صارت بلادهم على مضض، أو في بيوتهم التي يرون أنّها تنهار أمام عيونهم.

هؤلاء في تمسّكهم بصورة مستشرقة عن هذا اللبنان، يحاولون النجاة من الأمل الذي سكنوه وسكنهم، ولا شفاء منه.

فلا شيء يبقيهم في هذه الجغرافيا الملعونة بأطيافها وتنوّعها، سوى هذا الوهم، أو لنقل هذا الحبّ، متسلّحين خلف الشتيمة الأبدية: كس إختو لهالبلد، في نكرانه. تلك الشتيمة التي يلد اللبناني معها كأهزوجة أمّ، يشتمونه وفي آخر النهار يترك جسمه لهذا الوهم. وهم صيته الذائع عن تبولته وجباله وأنهُره، وخيراته التي لم يبقَ منها شيء، عن أحراجه المحروقة وغاباته المقطوعة وشواطئه الملوّثة وأملاكه العامة التي خُصِّصت، وعن ليرته التي أغرقت معظم اللبنانيين تحت خط الفقر وأفرغت براداتهم ودفعتهم إلى بيع أشيائهم الحميمة مقابل ربطة خبز أو كيلو برغل.
أشياؤهم التي منحتهم لوقت ما مرحاً أو شعوراً فائضاً بالبقاء، ها هي تُعرض مقابل حفنة قمح، أو خضار أو نصف كيلو أرزّ. أغراضهم التي يريدون بها أن يتمسّكوا بالحياة، التي لم يعد بإمكان هذا البلد أن يمنحها لهم، لا بل يسحبها من عيونهم التي لم تنم وأجسامهم الناحلة من القلق والجوع والخوف من المجهول. سيناريوهات الحرب التي تعيش بينهم وتحزّ سكاكينها على رقابهم.

لم يعد لبنان بلداً يعذّب أهله فحسب، بل يسحقهم. وتدهشني إلى الآن قدرة رفاقي وأصدقائي وأهلي على التعايش مع كلّ ما يحصل من دون أن يصابوا بانهيارات جماعية نفسياً، أو أن يذهبوا إلى الغابات لينتحروا جماعياً، كصورة ملحمية عن البلد الجزّار الذي ينحر أولاده ويقتلهم عراةً أبرياء.

المجاعة القادمة التي نسمع عنها وتحرق قلبي وقلوب أمثالي ممّن هاجروا أو نُفيوا أو لجأوا إلى بلاد الآخرين، تغلق روحي بالأسى.

صور طوابير الواقفين أمام المخابز ومحطات المحروقات والمتعبين من يوميات الذل والشقاء، تُشعرني حيث أعيش أنّي نجوت، وفي نفس الوقت لم أنجُ.

لم أنجُ من هذا اللبنان المحترق ولا من مجاعته القادمة ولا من ظلامه الدامس وقلة موارده وشحّه وفقره، ومن غصّاته ومن شبحه. هذا البلد الذي ترأسه حكومة عرصات بلا ضمير وتحكمه أحزاب بلا رحمة وعصابات مال ومرتزقة الميليشيات، يحتاج إلى ثورة الجوعى. الثكالى والمنهوبين.

لا حرب معلنة في هذا البلد. بل موت معلن، وعلى هذا الموت مساءلة حسان دياب ومشطه الذي يبدو أنّ أسنانه غُرِزت في قلوبنا.