بيروت: مدينة فوق الأرض

إثر الانفجار الذي أدّى إلى مقتل وجرح وفقدان سكان وعاملين في بيروت وحوّل شوارعها ومبانيها خرابًا، حضرت فورًا رواية «بيريتوس: مدينة تحت الأرض» لـربيع جابر.

مطاردًا الشبح الذي ظنّه ولدًا، ومثل أليس التي سقطت في الحفرة في رواية لويس كارول، تزلّ قدم حارس مبنى سيتي بالاس في الحفرة التي ينبعث منها نور أبيض، لتبدأ قصة كاملة.

لكن هل هي فعلًا قصّة؟
يجد الحارس نفسه عاجزًا عن الحركة في مدينة تحتيّة كاملة موازية لبيروت التي في الأعلى. في «بيروت التحتا»، وبين أناس يتواصلون بالحركات والأجساد أكثر من الكلام، يبقى الحارس لشهور غير قادرٍ على الحركة. يتعرّف إلى السكان، ويصادق، هو «البرّاني» الساقط من فوق، فلكيًا مهووسًا بالسماءَيْن، المدينة التي فوقه والسماء التي فوقها. يعيش بين أناس لا يبصرون في عالمهم السحري. يتذكر حياته السابقة، ويوازي دومًا بين ما يراه تحت وما رآه فوق. ينخرط في حياة كاملة في عالم مطمور بالمنسيّ عن فوق. لقد انتهت الحرب بالنسبة لهؤلاء قبل أن تنتهي فعلًا فوق، فتوقفوا عن سماع الأصوات بعد عامين من بدئها، وشرعوا في إقامة عقدهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وعزلوا الرئيس في قصر ومنعوه من الخروج.

لكنّ الحارس عندما كان ينظر إليهم يخيَّل له أنَّ شيئًا ليس على ما يرام. يقول لمحدِّثه:

أما الآن- وأنا أتذكّر تلك الوجوه- فأرى الحزن يسيل على خدودهم كالشمع! كأنهم يذوبون واقفين في مداخل بيوتهم.

فهل كانت مجرّد فقاعة تحت أرضيّة؟

في بيروت فوق، بعد أن تغلق الرواية، تختلط المفردات وتصير غير ذات معنى مع الانفجار الذي أعاد وصل الواقع بالخيال.

لقد ابتعدت الجمهورية عن نظام عيشها عندما اعترفت بمعرفتها بوجود الموادّ القاتلة لسنوات. خرج علينا جبران باسيل ليوضِّح لنا أنَّ المسألة ليست في وجود الموادّ بل في سبب اشتعالها. نقل الأمر بصفاقة من دائرة «الإهمال» لدائرة «إهمال الإهمال». وعليه، فإنّ معالجة «إهمال الإهمال» اليوم، يقتضي أن يتحوّل الانفجار إلى حادثة وطنية جامعة عابرة للطوائف والمناطق، وأن تصير فرصة لاستدراج الأموال التي ستعيد إليكم- يا رهائننا- نظام عيشكم وعيشنا عبر مساعدات دولية ستكون حتمًا فرصة لنصب جديد وطني وعابر للطوائف والمناطق. هيّا يا رهائن، لنتراجع خطوةً من نظام «إهمال الإهمال» إلى نظام «الإهمال» الذي نعرفه جميعًا. انتبهوا، لا، بل نحذّركم، يا رهائننا، مِن المجهول.

مِن غير المنصف طبعًا أن تُختصَر رواية في رؤيويّة ما، وفي قراءة حدثية آنية. لكنَّ العيش في لبنان منكشف إلى الحدّ الذي يحدث فيه كلّ شيء وأيّ شيء. والعيش في ظلّ هذه الجمهورية يرمينا منذ زمن بخساسة نعرفها، ونحاول دومًا تفاديها لكنها لا تلبث تلاحقنا. في الأيام الأخيرة، تجاوزت الخساسة الخيال، ولم تتوقّف. استُتبعَت الجريمة بمحاولات تطويقها وإرجاعها إلى منطقها «الحادثي»، وقد استلزم ذلك قنص أجساد الخارجين من فقاعاتهم، المجابهين لطائر القلمون، هذا الذي بحسب رواية جابر:

يخافه كلّ البشر، لأنه إذا ولج فم إنسان نزل في حلقه واستقرّ في جوفه وبنى في جوف الآدمي، عشّاً ثمّ باض في العشّ ورقد على البيض حتى يفقس البيض. (..) يأكل الطير معدة الآدمي، ثم يأكل مصرانه، ثمَّ يأكل رئتيه.

ما حدث جريمة دولة، وهي جريمة لا تتوقّف. البارحة مثلًا، وصلتنا صورة مسرّبة لرجل معصوب العينَيْن في آلية عسكرية داس على صورة. والبارحة أيضًا، وصلنا إعلان عن وقف البحث عن المفقودين تحت الركام.

مثل طائر القلمون يقبع هذا النظام في جوفنا، في عقلنا، في جسمنا، في ذكرياتنا، في خوفنا، في ذنبنا، في خوفنا على أنفسنا وعلى الآخرين في البلد وخارجه. أيُّ علقةٍ هذه التي تمتصّ أرواحنا؟ نتعب. ننهار. نقوم ولا نقوم. نستبدل ذكرياتنا كلّ مرّة بأخرى أقسى من سابقاتها.
نحدّث أنفسنا بالكلام بيننا: لا. لا. لا يمكن أن يكونوا قد فعلوا هذا بنا. لا. الأمر مفتعَل من الخارج. لا. لا. هذا غير معقول. هذا غير مفهوم. وننتظر أن نخرج، مثل بطل رواية جابر، ومثل عصام شمص من تحت الركام، وأن ننظر إلى العالم بعينَيْن مدهوشتَيْن، وأن لا نصدّق أنّ هذا حدث فعلًا. بل أن لا نصدق حتى أن ما حدث قد انتهى أخيرًا. ننتظر، لكن الدهشة تبقى، ولا ينتهي الركام، ولا ينتهي أيّ شي. تبقى اللحظة معنا، ومعها يبقى صوت كنس نثار الزجاج.

أما الماكينة السياسيّة/ الإعلاميّة، فتواصل تصريحاتها من قعر «وادي جهنّم». يُكمل طائر القلمون أكْلَ معدتنا، ولا نملك إلا خيار الاشتباك معه، وننزع معدتنا ومعها الطائر ونرميها باتجاه الصخرة الصامتة فوق الأمواج، لعلَّ طيورًا أخرى أكبر تتلقّفها وتحملها راحلة.

فيا غضبنا، ابقَ معنا حتى نبدأ.

أسئلة سياسيّة طرحها هذا الأسبوع الطويل

السلطة فقدت شتّى مصادر شرعيتها لكي لا تنتهي «الثورة» كلاعب هامشي درس تنظيمي من عمليات الإغاثة منع تحويل عملية الإعمار إلى منفذ للسلطة الحالية مقاومة خيار التحقيق المحلي فتصاعُد طرح «الحكومة الانتقالية»

يومَ هجرتُ الجمّيزة والكيمياء

سكنتُ بالقرب من المرفأ بين صيف 2005 وبداية كانت حرب تمّوز قد انتهت عدم متابعة دراسة الكيمياء رغم قبولي في هذا الاختصاص لو عرف حزب المقاومة بوجود تلك الأطنان عندنا هنا في بيروت بعض هذا النيترات لا بدّ أن يكون قد كزدر هو الآخر داخل مدن عربيّة أخرى