ترسيم النظام للحدود الداخليّة

أعلن رئيس مجلس النواب، الأسبوع الفائت، عن اتفاق لبدء المفاوضات حول الخلاف على الحدود البحرية والبرية بين لبنان وإسرائيل، مشدِّداً على دور الولايات المتّحدة كوسيط في هذا الاتفاق. هكذا ومن دون ضجة، فجّر نبيه برّي قنبلة التفاوض، مقدمًا للمقاومة وعهدها القوي غطاءً جديداً لسيطرتهم، قوامه التفاوض مع الكيان الغاصب.

لم يتوقّف صاحب التفاوض عند سخرية هذا القرار الذي يحظى، على الأرجح، بموافقة سيّد المقاومة. فهو رجل دولة، والمؤتمن الأول على جدّية لغتها ورصانة طلّتها. لم يكن برّي الوحيد الذي مرّ مرور الكرام على سخرية هذا القرار وتوقيته الغريب. فسكت فجأةً جيش الممانعين ومثقّفوه الذين اعتبروا الاتفاق حدثًا عابرًا لا يستحقّ كيل الشتائم التي خصّوا بها خصومهم الداخليين. تتباهى السلطة، المدعومة من المقاومة، بتفاوضها مع إسرائيل تحت رعاية أميركية، لكنّها ترى الخطر الداهم على القضية في صفوف «الثورة»، حسب محاربي التطبيع بكافة أنواعه.

ما من سخرية إذاً، وما مِن أي مغزى سياسيّ وراء هذا الاتفاق وتوقيته. فحسب عرّاب شرطة المجلس، هو اتفاق قائم بحدّ ذاته، لا علاقة له بما يجري بلبنان أو بالمنطقة. لا علاقة له بسلسلة اتفاقيات التطبيع بين دول الخليج وإسرائيل التي بدأت تحدّد وجهة السياسة الخارجية العربية. كما لا علاقة له بالأزمة الاقتصادية الحادّة التي يمرّ بها النظام اللبناني وحاجته الملحّة لعملات أجنبية، حتى ولو جاءت جرّاء اتفاق مع إسرائيل. بالتأكيد، لا علاقة لهذا الاتفاق أيضاً بأزمة شرعية هذا النظام، الداخلية والخارجية، خاصةً بعد فشل المبادرة الفرنسية وسقوط خيار صندوق النقد وتزايد العقوبات الأميركية. أما تهديدات رئيس الكيان الغاصب بتفجير «مخازن أسلحة» المقاومة المتواجدة بمناطق سكنية، فلا علاقة له بضرورة التفاوض معه حول الحدود، فللحرب لياقاتها واتفاقياتها. ولهذا الاتفاق منطقه الخاص، الذي لا يدركه إلّا صاحب الإعلان، وأي تأويل آخر هو الخيانة.

الخيانة إذاً هي أن نسأل إلى متى سيتمّ استغلال الصراع مع إسرائيل، أكان حربًا أو تفاوضًا، من أجل مكاسب داخلية أو إقليمية؟ إلى متى ستستمرّ لعبة تخوين الخصوم الداخليّين لعلاقتهم المزعومة مع الإدارة الأميركية، مع التباهي العلني بالحصول على رعاية أميركية للاتفاق؟ بعد إعلان الاتفاق، لم يعد السلاح الداخلي موجودًا لحماية السلاح الخارجي، بل قد يكون العكس هو الصحيح: باتت الصواريخ هي الغطاء للسلاح «العفوي» الداخلي. وفي عالم ثنائيّات المقاومة، بات من الأسهل على «الثنائي الوطني» أن يتفاوض مع العدوّ الغاشم من أن يتخلّى «الثنائي الشيعي» عن وزارة المالية في وجه نادي رؤساء الحكومة السابقين.

قد لا تكون المصلحة الأساسية للاتفاق بمفاعيله السياسية والمالية المباشرة، من عائدات النفط المحتملة إلى تأمين غطاء التفاوض مع إسرائيل في وجه الضغوط الخارجية. فإضافةً إلى هذه الدوافع المادية، هناك تأثير رمزي لهذا الإعلان، وهو أنّه ما مِن محرّمات تقف في وجه استمرار سطوة هذا النظام على البلاد. لهذا العهد، يبدو الانهيار الاجتماعي أخفّ وطأةً من التخلّي عن معمل سلعاتا. لهذه المقاومة، يبدو التفاوض مع إسرائيل أخفّ وطأةً من التخلّي عن وزارة المالية. لهذه الحفنة من اللصوص، يبدو موت الأطفال في البحر أقلّ وطأةً من التخلّي عن شِبر من امتيازاتهم. قبل بدء المفاوضات على الحدود الخارجية، رسم النظام حدوده الداخلية: كلّ شيء لنا.

صناعة صورة المحور

تقع هذه الحملات في صلب استراتيجية بناء صورة هذا المحور التي تتصدّى لكلّ مشكّك وناقد من خلال تقسيم السياسة إلى ثنائيات نقيضة تحدّد لنا موقعنا في العالم: أنت معنا في المقاومة ضد الإمبريالية الغربية، وإلّا تكون مع الإرهاب والاستعمار؛ أنت مع نظام الأسد وإلّا تكون مع داعش وجبهة النصرة؛ أنت معنا لأنّنا نحميكم من إسرائيل، وإلّا تكون صهيونياً وعميلاً

عن مكابرة «البيئة الحاضِنة»

يتّحد فيها السياسيّ بالدينيّ بالهويّة المجتمعيّة هناك ذوبانٌ في العناد اللامنطقيّ في وجه أيّ طرحٍ تغيير يفكل ظلمٍ يقع على «البيئة»، يقوّيها فلماذا ترغم «البيئة الحاضنة» نفسها على الاختيار بين المقاومة والحياة الكريمة؟ هذا الانهيار ليس حرب تمّوز