تسلُّل التكنوقراط إلى القضايا الاجتماعيّة

بعد وقوع جريمة بعقلين، انتشر الكثير من التحاليل والتكهّنات التي ربطت دوافع الجريمة بالأوضاع المعيشية ورفضت أيّ نقد نسوي ومعادٍ للعنصرية. نشر موقع ميغافون منذ يومين مقالاً حثّنا على ضرورة انتظار التحاليل العلمية من الخبراء، والابتعاد عن الأقاويل والشعارات الشعبوية التي، بحسب الكاتبة، لا تستند إلى أسس علمية وتحليلية.

أكتب هنا ردّاً على ذلك المقال، ودحضاً للحجج التي تلمّح إلى انفصال العدالة عن إدانة الجريمة جوهرياً كعنف نابع من ثقافة تحرّض ضدّ النساء واللاجئين، واعتبار العدالة مبنية على تحاليل جنائية ونفسية للمجرم. كما أودّ التشديد على أهمّية المحاكمة المجتمعية في سياق جريمة كهذه، والإشارة إلى محدوديّة اعتمادنا على التحليل العلمي البحت و«الموضوعي» في القضايا الاجتماعية.

ففي إعطاء الأولوية للقانون ليأخذ مجراه استناداً إلى التحليل الجنائي، محاولة مبطّنة، وإن غير مقصودة، لمحو الطابع الاجتماعي لجريمة من هذا النوع.
وهو أيضاً محاولة لفرض الثقة بالقانون لتحقيق العدالة في بلد يتواطأ جسمه القضائي على قتل النساء والضحايا أكثر من مرّة من خلال إخلاء سبل القاتلين أو عدم ملاحقتهم من الأساس.

يبدو أنّ الخطاب التكنوقراطي متسلّل إلى مجال هذه القضايا، وليس فقط المجالات الاقتصادية و«الإنقاذية». فبحسب هذا الخطاب، علينا انتظار تحاليل الخبراء العلمية التي تطمئننا أنّها حيادية وتهدف فقط للإنقاذ- أيًّا يكن هذا الإنقاذ- وتصديق إمكانية فصل الجريمة عن السياق الاجتماعي والقيَمي الذي حصلت فيه.

ولكنّ كذبة الموضوعية والحياد التي يروَّج لها في المجالات الاجتماعية والسياسية تنسف في الواقع التجارب التي نعيشها، والتي هي نفسها متحيّزة ضدّنا. وفي سياق جريمة كهذه، تبيّن أنّها محاولة لإنقاذ شرف المرتكب، كيف سيتوصّل المحلّلون إلى استنتاج دون أخذ جانب إحدى الجهات المعنية أو إلقاء اللوم عليها، سواءً كانت هذه الجهة هي الضحايا أو السياق الاجتماعي والثقافة التي يتشرّبها الرجال منذ الصغر والتي تقنعهم أنّ من حقّهم لا بل من واجبهم الأخلاقي الأخذ بالثأر لشرفهم، حتّى إن كان هذا يعني إنهاء حياة وحيوات أخرى؟

لعلّ محدوديّة هذا الإيمان المتين بإمكان فصل الجرائم عن السياق ودراستها كحالة فردية لها ظروفها الخاصّة، تكمن في تجاهل أنّ هذه الجرائم ليست غير مألوفة أو غير طبيعية. ومن هذا المنطلق، يمكننا نقد ودحض الاندفاع لنعت القاتل بـ«مش طبيعي». فما هو الطبيعيّ إذاً في مجتمع اعتدنا فيه سماع أخبار قتل النساء وهدر دماء غير اللبنانيّين ثمّ مواجهة المجتمع لنا من خلال إجبارنا على أن نتعلّم كيف نتصرّف بطرق وأساليب لا تغضب أزواجنا المستقبليّين ولا تترك لهم أيّ سبب للتشكيك بشرفنا وعفّتنا وإخلاصنا؟

بالإضافة إلى ذلك، فإنّ حثّ الناس على عدم التسرّع بإطلاق الأحكام قبل صدور التحاليل والقرارات القضائية، يغيّب قيمة وأهمّية المحاكمة المجتمعية التي تفجّرت في انتفاضة تشرين، والتي حملتها المجموعات النسائية والنسوية والمعادية للعنصرية لسنوات بسبب فشل القضاء بالمحاسبة.

ومن البديهيّ، في هذا السياق، محاسبة سياسيّ منتخب مجتمعياً على كلامه الذي أطلق تكهّنات دافع الشرف للجريمة، خصوصاً بعد انعقاد جلستَيْن للمجلس النيابي دون أن يذكر أيٌّ من النوّاب الـ128 أو الوزراء الخبراء «المستقلّون» قانون الحماية من العنف الأسري وطروحات تضع حدّاً لموت غير اللبنانيين كضحايا «بالصدفة». يضاف إلى ذلك التجاهل شبه الكلّي من المُدينين والمحلّلين لضرورة مناقشة ما سيحلّ بأهالي الضحايا السوريين الذين نعرف أنّهم مستثنون من أولويات القضاء والعدالة الجنائية.

إن كنّا فعلاً بحاجة لآراء وتحاليل الخبراء، فالناجيات والناجون وأهالي الضحايا هم من أبرز الخبراء في هذه الجرائم، وهم بالتالي أكثر المؤهَّلين لإدانتها وتحليلها.

الخطير في هذه القضية هو محاولة تبرير أو تفسير الجريمة من خلال ربطها بتدهور الأوضاع المعيشية التي زادت الضغوط النفسية.
ما يبدو غير بريء هنا هو الاندفاع لإلباس المشاكل الاجتماعية لطبقة معيّنة في سياق انهيار اقتصادي، في حين تحاول الطبقات الوسطى والسلطة تحميل ذنوب الأزمة للفقراء الذين رفضوا أن يصبروا على معاناتهم التي سبّبتها السلطة وتلك الطبقات نفسها.

ربّما حان الوقت ليبدأ علم النفس بإعادة النظر في نظريّاته ومقارباته التي تتعامل مع الأزمات النفسية والاجتماعية كحالاتٍ فرديّة منسلخة عن الواقع والسياق الاجتماعي والسياسي الذي يوجّه الأفراد نحو خياراتٍ ومبادئ وممارسات معيّنة من فوق.

جريمة بعقلين: الشعارات تغيّب التحليل

أقدم شخص على قتل تسع ضحايا باستباق الإجراءات القانونية والتحقيقات واختصار جريمة معقّدة بشعارات لتختصر الجريمة بتركيبة أبويّة سامّة كجريمة مرتكبة من قبل ما يُعرَف بـالسبري كيلر إزالة تعبير «جريمة شرف» من قاموسنا اللغوي بشكل كامل

عرض. شرف. قرف.

على إثر جريمة القتل المروّعة في بعقلين قاتل النساء ثمين جدّا ويستدعي اهتمامنا كلّنا تُقتَل النساء مرّتين، متى يُقتلْن، ومتى أُحيي «شرف» قاتليهنّ فسارعوا إلى طمأنتنا أنّهم سيقومون بدفن العمّال السوريّين دون الحاجة إلى اللجوء للحجر الصحّي كوسيلةٍ للإقصاء