تشاءمُوا مِن تفاؤل سلامة

كثيراً ما يخاطبنا رياض سلامة بما يصعب فهمه، حتّى بالنسبة للمُلمّين بعالم المال والاقتصاد.

على هذا النحو مثلاً، علمنا أنّ هناك هندسات ماليّة سنة 2016، دون أن يبذل الحاكم الكثير من الجهد لإفهامنا حجمها وكلفتها وجدواها، إلى أن اكتشفنا بعد سنوات أنّها كانت عنواناً لإحدى أكبر عمليّات التشويه المتعمّد التي يمكن أن تصيب ميزانيّات مصرفٍ مركزي ما أو المصارف التجاريّة.

في مثالٍ آخر بعد الانهيار، شدّد الرجل بالغموض نفسه على كفاية الاحتياطات دون أن يفصح عن تفاصيلها، فأصرّ على سداد سندات اليوروبوند في الربع الأوّل من السنة، ثم اكتشف بعد أشهر أن القابل للاستعمال من هذه الاحتياطات قد شارف على النفاذ، فطلب شدّ الأحزمة استعداداً لرفع الدعم.

وهكذا دواليك: في كل ما يقوله سلامة، ثمّة مساحة من الغموض المقصود، أو الالتباس الذي لم يُعالَج. وفي كلّ مرّة نكتشف أنّ الأسوأ يكمن تحديداً في هذا الجزء الغامض من الصورة. لهذا، تعلّمنا بالطريقة الأصعب أن نحبس الأنفاس حين نرصد ما لا يريد أن يفصح عنه هذا الشخص.

————————————-
وفق الغموض الملتبس نفسه، وفي آخر لقاءاته مع جمعيّة المصارف الجمعة الفائت، أعرب الحاكم عن تفاؤله قائلاً جملته الشهيرة: الأزمة الحادّة باتت وراءنا.

لم يفهم أحد، بمن فيهم عتاة المدافعين عن الحاكم، مغزى الجملة، أو المسائل التي تدفعه للتفاؤل بهذا الشكل. فالبلاد على شفير مرحلة رفع الدعم عن استيراد السلع الأساسيّة، مع كل ما يعنيه ذلك من مشاهد سوداء متوقعة على المستوى الاجتماعي: من تضاعف أسعار هذه السلع الحيويّة، إلى الارتفاع الجنوني المتوقّع في سعر صرف الدولار وسائر السلع المستوردة نتيجة ارتفاع الطلب على الدولار في السوق السوداء بعد رفع الدعم، إلى كل ما يمكن أن يتصوّره المرء من مآسٍ ناتجة عن هبوط القدرة الشرائيّة للمواطنين في تلك الفترة. يحدث ذلك فيما البلاد تراوح مكانها بلا خطّة ماليّة، ولا أفق للتفاوض مع أي جهة مانحة، أو حتّى مع الدائنين الذين ما زالوا يتريّثون قبل فتح أبواب جحيم الدعاوى في الخارج، وفي ظلّ عدم وجود حكومة قادرة على إطلاق أي من هذه المسارات.

هنا يصبح السؤال مشروعاً عن نوعيّة الأزمة التي باتت وراءنا، ما دام التأزّم بالمعنى الذي يطال المواطن لا قعر له، وما دام كل ما في المشهدين المالي والسياسي لا يبشّر بالخير على هذا المستوى.

قد يكون المقصود في حديث الحاكم عن الأزمة الحادّة التي باتت وراءنا، هو كلّ ما تمكّن اللوبي المصرفي من فعله طوال الأشهر الماضية: من الانقلاب على خطّة الحكومة في المجلس النيابي وتكوين جبهة سياسيّة رافضة لمقاربات الخطّة، وصولاً لما يحكى اليوم عن مسارات تفاوض بديلة غير معلنة بين بعض القوى السياسيّة وجمعيّة المصارف تمهيداً لإسقاط مقاربات جديدة على الحكومة القادمة.

وقد يكون المقصود هنا التسليم الذي جرى من قبل جميع القوى السياسيّة بطرح جمعيّة المصارف الأساسي للحل، القائم على تشكيل صندوق سيادي قادر على تحميل الدولة أعباء الانهيار، عبر فتح أبواب الخصخصة المقنّعة تحت عناوين الشراكة بين القطاعين العام والخاص. يتمتّع هذا الخيار بالجاذبيّة بالنسبة إلى القوى الدوليّة التي تبحث اليوم عن هذا النوع من الفرص المربحة لشركاتها.

يحدث ذلك في وقت بات وزير الماليّة في حكومة تصريف الأعمال غازي وزني يملك الجرأة على المجاهرة بتموضعه في خانة المتحمّسين لتحميل الدولة الجزء الأكبر من الخسائر، يليها المصرف المركزي، ومن بعدهما المصارف، في حين أن موقعه كان يفرض عليه التفاوض لقلب الآية بالشكل المعاكس تماماً.

على أي حال، بعد كل هذه التطوّرات، وبما أن حديث سلامة «المتفائل» والغريب جاء موجّهاً لممثّلي المصارف في سياق اجتماعه الدوري مع جمعيّتهم، ونظراً لتجربتنا المقلقة مع غموض هذا الشخص: من حقّنا أن نتشاءم من تفاؤل سلامة.

لم ينتحروا، قتلَتْهم السلطة

ذاع صباحاً خبر انتحار الشاب علي محمد الهق قرب مقهى الدانكن في الحمرا تقتلنا السلطة بنظامها الاقتصادي الذي يعمل على تبئيس الأكثرية عاشوا ظروفاً موضوعيّة وذاتية لا نعلم منها سوى القليل القليل اغضبوا، قبل أن يتحوّل لبنان بكامله إلى مقبرةٍ جماعية

كأس ويسكي وحفاضات

على الأرجح، لا يعرف رجل المصارف ورجل الحفاضات واحدهما الآخر، وإن كانا قد أدليا بتصريحَيْهما في اللحظة ذاتها لكن هل وصلنا إلى اليوم الذي سيرفع رجلُ الحفاضات مسدّسه في وجه رجل المصارف وجمعيّته؟