17 تشرين بعد عام ▪︎ أسئلة لا تحتاج إلى أجوبة

ما الذي نستذكره، سنةً على انطلاقة الثورة؟
هل هذه الذكرى، كعيد ميلاد أي طفل، مناسبة للاحتفال بخطوات أكيدة نحو رشد مرغوب به، أم هي أقرب إلى عيد عجوز، يعاين الزمن الذي فات وما تبقى له من الحياة قبل الموت والنسيان؟
هل نتذكر الثورة لكي نحتفل بأنفسنا وصمودنا في وجه هذا النظام، ونتهيأ لدخول مرحلة جديدة، مرحلة الرشد السياسي التي تلي طفولة ردّات الفعل، أم نرثي أنفسنا بعد ابتعادنا عن هذه اللحظات الأولية حيث بدا المستحيل ممكناً في الساحات العفوية للحظات قضى عليها النظام من جهة، ودعوات الرشد السياسي من جهة أخرى؟
بعد سنة على انطلاقة الثورة، هل نحتفل أم نرثي؟

ماذا يمكن أن نستذكر اليوم، سنةً على انطلاقة الثورة؟
كيف نستذكر الثورة في زمن الانهيار؟ هل كانت الثورة آخر رعشة لعالم ينهار، عالم فيه ساحات يمكن أن تنتفض، وحكومات يمكن أن تسقط، وثورة في وجه نظام؟
هل كانت الثورة حفلة وداع لهذا العالم، قبل موجات الهجرة الجديدة؟ أم كانت، كما هي في الأساطير الثورية، لمحة عن عالم جديد، أفضل، أفقه مفتوح واحتمالاته متعددة؟
كيف لنا أن نستذكر هذا الحدث بينما يبدو مستقبله المباشر هو مستقبل انهيار ووباء وانفجار وفقر وموت بطيء في قوارب المتوسط؟
كيف نخرج من رومنسية باتت فاقدة للحساسية في وجه بؤس الحاضر المتزايد، وإحباط متكرّر، ميزته الوحيدة إضفاء بعض الجدّية على صاحبه ونصوصه الرديئة؟

لماذا نستذكر الثورة اليوم، سنةً على انطلاقها؟
هل حان الوقت، لمجرّد مرور سنة على أول مظاهرة، لجردة حساب لما حقّقته الثورة وما فشلت بإنجازه؟
ولكن كيف يمكن الابتعاد عن التحليل المتسرّع حول الفشل، واسم سعد الحريري قد عاد كمرشّح لرئاسة الحكومة كما عاد جبران باسيل وخطاباته البلهاء فيما لا يزال حسن نصر الله يبتسم وهو يتكّلم عن انفجار المرفأ ويستمرّ رياض سلامة بنهبه للناس؟
وهل يمكن الابتعاد عن تحاليل الفشل والنجاح، من دون الوقوع في منطق «الدروس المستخلصة» ورفعها لشعار «التنظيم» إلى مرتبة العقيدة التي يراد منها أن تكون الحل السحري لأية مشكلة سياسية؟
وهل البديل الوحيد هو التركيز على هذه «اللحظات الثورية العابرة»، وإن كانت عاجزة سياسياً (أو لأنّها عاجزة)، لتتحوّل الثورة إلى فولكلور هامشي، يتعايش مع أي وضع سياسي؟

أسئلة الثورة، سنةً على انطلاقها
ليس من أجوبة لهذه الأسئلة وغيرها التي يمكن طرحها بعد سنة على انطلاق الثورة. ولكن لا مفرّ منها. فهي أسئلة واكبت أكثرية الثورات وإحباطاتها، والثورة ليست إلا تمريناً على الإحباط القادم.
نطرحها اليوم فيما يخص «ثورتنا» ولكنّها ستطرح مجدّدًا بعد بضعة أشهر، ونحن على أبواب الذكرى العاشرة للثورات العربية.
ربّما ليست هذه الأسئلة وغيرها إلّا طقوس استذكار، نطرحها، ليس بحثًا عن أجوبة نعرفها مسبقًا، ولكن هروبًا منها، وتمسكًا بصيغة السؤال كسؤال، بانفتاحه وإمكانياته الضمنية وأفقه المحتمل. فالسؤال كصيغة للثورة، سنةً على انطلاقها، سؤال عن هذا الحدث الذي حصل منذ سنة، سؤال عليه أن يبقى من دون جواب لكي لا يجري إتمام مراسم الدفن.