17 تشرين بعد عام ▪︎ تشرين والخروج من خزانة الممانعة

هناك عالمٌ انهار في داخلي، لغةٌ ماتت، منظومةٌ تهدمت. حالة الاحتضار هذه بدأت منذ سنوات. كلما كانت تنفتح أمامي نافذة جديدة على العالم، كان شيء في داخلي يبدأ بالموت وآخر بالولادة.

مع كلّ فكرة تولد فينا ثمّة شيء يتعفّن، يقول سيوران.

فوق عشرات الجثث المتعفنة، تفاوضت لوقت طويل مع مسلماتي. كلما لامست «خطاً أحمر»، كنت أخاف وأعود خطوات إلى الوراء. كلما ساءلتُ مسلمةً جديدة، أخجل وأحاول توليف أفكار قديمة مع أخرى تنبهت إليها حديثاً.

«اعرفوا الـnuance وهي تحرّركم». تمسّكت لفترة بهذه الفكرة، حتى أذلل شكّي المستجد. حسناً بإمكاني أن أكون في صف حزب الله ونسوية في الوقت نفسه. قد أكون في صف الممانعة ولكنني لن أبرر مجزرةً بعد اليوم. نعم أريد تغييراً في لبنان لكن دعونا لا نناقش سلاح حزب الله. أريد أن تتحرر فلسطين ولكنني لا أريد أن تكون تعاستنا اليومية ثمناً ذلك. لكن ذلك لم يكن كافياً. كان الأمر أشبه بتمسُّكِ ملحدٍ حديث العهد بالطقوس الدينية حتى لا ينكشف أمره أو يزعج والديه. وليس لذلك فقط. كنت أحافظ على هذه «الطقوس» حتى أبقى واقفةً في مكان أليف. حتى لا أجد نفسي فجأة وحيدة في عراء الحرية.

الأيديولوجيا تحمي. اليقين سقف آمن. لكن كل ذلك كان سدى. لم يكن سوى محاولات إنعاش لغيبيات ماتت سريرياً في رأسي منذ زمن. شيء مات وآخر يولد. لم يعد الهروب يجدي نفعاً. عندما تفتح زهرةٌ لا يمكن لأي قوة أن تقفلها مجدداً.
الجملة الأخيرة كانت لتفجّر سخريتي لو أنني قرأتها بقلم شخص آخر منذ ثلاث أو أربع سنوات. حينها كنت أظن أنني واقعية وأن مجموعة أفكاري الصارمة هي أذكى ما يمكن للمرء أن يصل إليه في هذه البلاد. حينها كان بوسعي أن أبرر مجزرة باسم القضايا الكبرى، وفي مقدمتها فلسطين طبعاً. كنت أظن ذلك «وطنية»، في حين أنني أرى ذلك اليوم أقرب إلى أعراض السايكوباثية.

ثم جاء 17 تشرين الأول ليريني بالعين المجردة للمرة الأولى كيف أن الأيديولوجيا هي الوعي المقلوب بالعلاقات الواقعية كما يقول ماركس. رأيتُ الناس التي خرجت في الأيام الأولى للانتفاضة كيف عادت خائفةً إلى منازلها بعد خطابٍ أو اثنين يتلاعب بمخاوفهم كي يضمن طاعتهم العمياء. رأيت للمرة الأولى كيف يمكن للإنسان أن يكذب على نفسه وينكر معاناته وعذابه اليومي، بإيعاز من القائد الذي استخدم كالعادة ورقة الاتهام بالعمالة والتمويل، حتى يعيده إلى حظيرة الجماعة والطائفة. للمرة الأولى، لمست تشكّل صفحة جديدة من صفحات «الوعي الزائف» عبر جعل الوعي يحدد الوجود الاجتماعي للفرد، في حين أن البديهي والطبيعي هو أن يحدث العكس.

عند هذه اللحظة فهمت أنه لا عودة إلى الوراء، وأن الخيارين الوحيدين هما: إما البقاء مع الناس في الشارع وتحمّل اتهامات الخيانة والعمالة والتآمر والعقوق، إما الاستجابة لهذه الدعاية والعودة إلى المنزل وارتضاء أن تكون مسماراً في آلة أيديولوجية كبيرة.
الخيار الأنسب كان واضحاً بالنسبة لي.

هناك عالمٌ قد انهار في داخلي، لغةٌ ماتت، منظومةٌ تهدمت. ثم جاء 17 تشرين الأول كي أدفن كل ذلك أخيراً برأسٍ مرفوع وبلا أي ذرة خوف.

شو كنت عملت بالـ1975؟

جولات القتال في الطيّونةعوامل الدم والخوف والخطر الداهمالحركة الاعتراضيّة منذ الـ2011كنظام ابتزاز دائمالكوريدور أو الملجأ أو المنفىمراقبين خارجين عن مجتمعنا أو مهلّلين للقتل الدائمرعب تلامذة المدارس المحاصرينكوننا لسنا بالـ 1975

عارف ياسين، الرجل الذي أتى من تحت

وصول جاد تابت من فرنسا «بيروت مدينتي» «الخيار المهني» «نقابتي للمهندسة والمهندس» فاز جاد تابت بفارق 21 صوتاً، 4079 صوتاً لجاد تابت مقابل 4058 لنجم واحداً فقط كان يعمل في شؤون النقابة اليومية، وهو عارف