تظاهرة السبت: شَحمة الفرز السياسيّ

لن أشارك السبت، لكنّي لستُ ضدّ التحرّك. لا أتبنّى عناوين الدعوة، لكن لا أخوّن الجهات الداعية.

بالعكس تماماً، هذا التحرّك ضروريّ ومطلوب، وأتى كـ«شحمة ع فطيرة»، كَونه يساهم في عمليّة الفرز السياسيّ. علينا الإقرار اليوم أنّ المجموعات التي ترتاد الشارع، ليست بكليّتها على الموجة ذاتها وهذا ليس عَيباً، بل مسألة بديهيّة للغاية. لا بل من الخطأ أن نُعرّف أنفسنا بالضدّ وبالتماثل؛ أعني المنطق القائل: «إذا كنّا جميعاً ضد النظام يعني أنّنا جميعاً في نفس الخندق». أبداً. كلٌّ يعارض النظام، أو يؤيّده، وفق موقعه الطبقيّ.

بعيداً من الشعارات الرنّانة، يتحدّد هذا الموقع بالممارسة السياسيّة. بتبنّي المطالب وترتيبها وفق برنامجٍ محدّد والتحرّك في الشارع وفق هذا البرنامج. لكلّ تيّارٍ برنامجه، وعلى هذا الأساس، يُفرَز الشارع: قوى الثورة/ قوى الثورة المضادة/ قوى السلطة. وقد يكون طابع كلّ منها ثوريّاً/ محافظاً/ رجعيّاً/ انتهازيّاً… المسألة دقيقة نظريّاً، وعمليّاً. ويمكن في بعض الأحيان أن «نضرب سويّاً ونمشي مفترقين»، ويمكن العكس.

قياساً على السبت، المحرّك الأساس هو التيّار الليبيرالي. ويمكن استنباط هويّته بسهولة عبر العنوان: انتخابات نيابيّة مبكرة.
فبينما تتوجّه حكومة التكنوقراط للتطبيع مع صندوق النقد الدولي، يطالب هذا التيّار بانتخابات نيابيّة مبكرة.
وبينما ينهار سعر الصرف وتخسر العائلات قدرتها الشرائيّة ويُصرَف العمّال تعسّفياً وتغلق المؤسّسات، يطالب بانتخابات نيابية مبكرة.

وللمفارقة أنّ المسألتَيْن- الأزمة الاجتماعيّة الاقتصادية والانبطاح لصندوق النقد الدولي- مغَيّبتان بالكامل عن السبت. لا بل الأسوأ هو أنّ القانون الانتخابيّ نفسه مُغيّب.

المهمّ، لا مانع من التحرّك تحت هذا العنوان. لكنّه ببساطة عنوان غيرُ ثوريّ، وإن كان كذلك لحظيّاً، في بداية 17 تشرين. أساساً، لا يكفي أن نقول «نازلين باسم الثورة» كي تصبح مطالبنا ثوريّة. المسألة هنا لا تتعلّق بالنوايا، وإن كانت حَسَنة. ولا تتعلّق بكميّة الضخّ الإعلامي، بل بالمنفعة العملية، وبارتباط المطلب بالرأي العام الناتج عن الكتلة الشعبية الضاغطة في الشارع (مثالاً لحظة إسقاط الحكومة)، وبالاستراتيجيا المقدّمة من الإطار السياسي الجامع الذي يعبّر عن المصلحة الطبقيّة لهذه الجماهير (وهذا ما ليس موجوداً، ولم يتَبَلوَر خلال الانتفاضة، ولا يمكن استبداله بدعوات Sponsored على الفايسبوك).

بناءً على ما ذُكر، يضع هذا التيّار نفسه، موضوعيّاً، وإن كان لا يريد ذلك، في موقع «قوى الثورة المضادّة للثورة». ويقدّم خدمات مجّانية للسلطة، إن كان عبر الاستهداف الحصري لطرفٍ منها دون الآخر، وبالتالي إعطائها فرصة ترسيخ الانقسام العمودي بين 8 و14، أو عبر رفع مطالب تنبذ فئات واسعة ووجودها ضروريّ في قيام الثورة لاحقاً، أو عبر تحوير منطلقات المعركة ممّا يهمّ الناس إلى ما يهمّ المجموعات، أو تحوير المعركة من تغييرٍ للنظام إلى إصلاحٍ للنظام. فالأزمة تكمن بتبنّي منطق المعارضة الإصلاحيّة، عوضاً عن منطق النقيض التغييريّ.

وعليه،
يلبّي تحرّك السبت الغايات الذاتية للجهات الداعية، عوضاً عن تلبية الحاجات الموضوعيّة للجماهير.

هناك مشكلة أخرى تكمن في اعتبار تحرّك السبت جزءاً من «17 تشرين». فلا يمكن لذلك أن يصحّ، ببساطة لأنّ «17 تشرين» انتهت (وهذا نقاش آخر)، ولأنّ 6 حزيران تنطلق من موقعٍ طبقيّ مغايرٍ لها. أمّا هذا الإصرار لوضع اسم «17 تشرين» كلّما سنحت الفرصة، فهو نقطة ضعف، لا نقطة قوّة، لا بل يُقزّم «17 تشرين» نفسها.

  • كمنت أهميّة 17 تشرين في لامركزيّتها، تعدّد الساحات والديناميكية الموجودة بين المراكز والأطراف. أمّا إعادة إحياء التحرّكات المركزيّة حصراً، فهو خطوة للوراء.
  • كانت الكتلة الشعبيّة المجتمعة في 17 تشرين وازنة لدرجة إسقاط الشرعيّة عن السلطة. أمّا الانتخابات النيابية المبكرة بموازين القوى الموجودة حاليّاً، فسوف تعيد للسلطة هذه شرعيّتها، وهذه خطوة للوراء.
  • اعتُبرَت 17 تشرين «انتفاضة» (لا حَراك، ولا ثورة)، لأنّها تفاعلت خارج قوالب الاحتجاج التي حدّدتها السلطة مسبقاً. أمّا اللجوء اليوم للمعارضة عبر الانتخابات، فهو عودة لقواعدها وآليّاتها، وهي معركة خاسرة (بدءاً من القانون الانتخابي، وصولاً لشبكة العلاقات الزبائنيّة)، وهذه أيضاً خطوة للوراء.

ختاماً، من المفيد تحريك الشارع بعد الركود. ولكن من الأفضل، للمرّة المقبلة، اختيار المطالب موضوعياً. أمّا نقد مطالب السبت، فهو ضروري من ناحية تطوير العمل السياسي، وليس بالتخوين، ولا يأتي «نكاية» بالطرف الذي يرفع المطلب. بل هو خطوة للأمام في توضيح الفرز السياسيّ، إن كان على مستوى الشارع كما على مستوى السلطة.

الشخص والشبح

عند كلّ تحرّك للشارع، يعود شبح سمير قصيرأطلّ «الشخص» هذه المرّة من داخل البرلمان. لكنّ ربطة العنق لم تمنعه من العودة إلى ما أتقنه جيّداً في التسعيناتلا تصلح التعليقات الصحفيّة السريعة لتعبر الأزمنةيستطيع الشخص أن يبقى على المسرح

عن مندسّي العالم

خطاب واحد عن اندساس الاحتجاج إلى داخل الجماعة السلميّة تحريك انقسامات المجتمع ليس «المندسّون» فئةً اجتماعية تحدّدها صفات بيوغرافية فمن أهمّ ثنائيات السياسة، ثنائية «نحن/ هم» يسيطر المندسّون على الساحات ليعلنوا زوال «النحن» الثابتة