تناقضات الشخصيّة المتمرِّدة: قلق الجندر ومأزق الرجولة


في Glock إسرائيلي بالبلد. عُرضت عليّ قطع سلاح فردي للشراء، أكثر من 4 مرات في الشهر الأخير وحده. ويقال إن شحنة من المسدسات الإسرائيلية المصنع قد وجدت طريقها إلى السوق. أما المسدس التركي الرخيص، فهو عبارة عن مسدس لعبة يتم خرطه وتحويله، لكن بيقوسله مشط مشطين مكسيموم. واللي ما معه حق سلاح، عم يشتري حديدة عشكل فرد.

  • شكراً لا

على الزفت قرب الرصيف، علبة xanax فارغة مرمية مقابل الشباك البنيّ. موعدنا، العلبة الفارغة وأنا، أسبوعي في المكان نفسه. أجدها هناك كلّ أسبوع تقريباً، أسلّم عليها وأمضي في طريقي متخيلاً وجه الساكن خلف الشباك.

  • شكراً لا

دخلت محل الثياب في الحيّ لأرى إن كان ما زال بإمكاني شراء واحد من السراويل القطنية الرخيصة التي أحبها. أشارت لي البائعة بأن أسبقها إلى الطابق العلوي حيث طلبي ريثما تنهي مكالمتها الهاتفية. وأنا فوق، أقلب السراويل والقمصان، سمعتها تصرخ وفهمت أن أحداً على الطرف الآخر من هذه المكالمة يخبرها بوفاة أخيها. أعدت الثياب إلى مكانها، ونزلت بسرعة لأنسحب دون كلام. لكنها فجأة قاطعت المكالمة، وضعت يدها على الهاتف وقالت لي بصوت يرتجف تماماً: ما عجبك شي؟

  • شكراً لا

إلى متى أستطيع السيطرة على قلقي ومنعه من التحوّل إلى واحد من المهارب الثلاث: الوسواس القهري، التخدّر الكيميائي، التخدّر الشعوري؟ في المقابل: إلى متى سأبقى رافضاً محاكاة الواقع الإجتماعي على الرغم من إحاطته بي وإحاطتي به؟ وهل مصير قيمي وطموحاتي أن تكرّسني كغريب أبديّ بين أهلي وفي مجتمعي الأم؟


قلق الذين تحرِّر المعرفة خيالهم لتحبس أجسادهم.

هذا هو اليوم قلق شريحة ليست قليلة من اللبنانيين، يتوقون إلى الكرامة والعدالة وحسن إدارة شؤون البلاد، إلى الخروج من زواريب الهويات الضيقة نحو وطنٍ ما، فيجدون أنفسهم منفيين محاصرين داخل واقع مجتمعي يضحك في وجه مؤهلاتهم العقلية وكياناتهم الشعورية. داخل شبكة قراءة واحدة يرفضونها، داخل الغابة التي لا تحترم إلا المدعوم.

ومن العائلة تبدأ هذه الغربة. لأن الغابة تستمدّ مقوّمات استمراريتها هناك، داخل البنية العائلية الصغرى حيث من المفترض بالولد أن يتلقى تدريجياً تعاليم انتمائه إلى الغابة. هناك في العائلة يتعلم الذين لهم «ظهر» أن يستذئبوا، ويتعلم المسحوقون آداب طأطأة الرأس، كما يتعلمون أن هناك دائماً من هم أكثر انسحاقاً وأن هؤلاء هم الذين يستحقون الحقد والأعداء. لأن التمرّد على الأقوى خطيرٌ، لأن التمرّد على الأقوى إهانةٌ أصلاً للآباء والأمهات الذين قبلوا المساومة بل الرضوخ.

الوظيفة الأبوية هي المسؤول الأول عن التوفيق بين رغبة الولد وواقعه المجتمعي. والحقيقة أن الجزء الأكبر من هؤلاء القلقين الذين نتحدث عنهم قد نشأوا في ظلّ الهزيمة الأبوية، لأنهم لو كانوا من ظهور آباء منتصرين، لكان لهم «ظهورٌ» يستقوون بها بالمعنى اللبناني لمفهوم الواسطة المعمّم على كافة تفاصيل الحياة اليومية.

في ظلّ انهزام الأبوة الحقيقية أمام الحداثة بمعنييها العالمي والمحلي معاً، تحلّ المعرفة الحديثة محلّ العلم الأبوي الموروث بموازاة ترسيخ لقيم المساومة والحربقة والحذر على حساب قيم العدل والشجاعة والحرية. من هنا ينقل الآباء عدوى التناقض الحداثي إلى أجساد أبنائهم. هكذا، يحمّل الأبناء قلق التعايش بين الانفتاح على مفاهيم عليا للحرية والحقوق والإبداع من جهة، والرضوخ لإرادة مافيوية عنيفة استغلالية وفاسدة من جهة أخرى. يحمّلون هذا القلق، كما تحمّل جماهير المجتمعات الحداثية كلها وزر التوفيق بين إمكانية التعبير المفترضة واستحالة التغيير المفروضة، بين وفرة المعلومات وشحّ الأفكار.


في أكناف هذا التناقض ينمو القلق داخل بذور التغيير في المجتمع اللبناني ويكبر معها ملازماً لها متشعباًَ داخل حيواتها النفسية. يبرز أحد أبرز تشعبات القلق في حقل الهوية والخصائص الجندرية. لأنه وفي ظل التناقض المؤسس الذي تفتتحه الوظيفة الأبوية المنهزمة، يكبر تناقض بالغ العنف بقدر ما هو بالغ التخفّي. أقصد الإنجذابات المتزامنة نحو تعريفات متناقضة للهويات الجندرية، نحو أجوبة متناقضة على سؤال: من الرجل؟ من المرأة؟

هذا القلق الجندري ليس مبنياً على خط التماس بين «تقدميين» و«محافظين»، بل هو ناشئ أصلاً في انقطاع التسلسل الوراثي الذي من شأنه أن يؤمّن أرضية تتحرّك فوقها التعريفات الجندرية. وقد يبدو «المحافظون» محافظين بالفعل على هذا التسلسل الذي من المفترض به إذن أن يكون مفقوداً لدى «التقدميين»، إلا أنّ الشيء الذي يحافظ عليه «المحافظون» هو شيء مستحدث لا قديم، هو ماضويتهم لا ماضيهم الذي لا يستطيعون إليه سبيلاً.

هو إذن قلق حيّ، لأنّ ما يحرّكه تناقضات تسقط نفسها على الفرد يومياً وبكثافة. فالصفات المطلوبة من الرجل مثلاً، للولوج إلى القبول المجتمعي المحسوس، تتناقض مع الصفات المطلوبة منه للولوج إلى القبول العالمي في ظلّ المعرفة الحديثة. كما أن الصفات التي من المفترض به أن يطلبها في المرأة كي يندرج اجتماعياً في صفة الرجولة، تتناقض مع المثاليات النسائية التي تكرّسها مساحة الايديولوجيات المسيطرة على الثقافة المعولمة، والتي تؤثر في عمق تكوينه السيكولوجي لا كما يفترض الماضويون حين يرونها مجرد بروباغاندا «أجنبية».

وكذلك بالنسبة للمرأة -أو للذين يعرّفون هوياتهم الجندرية بطرق غير ثنائية… بفارق وحيد: نجحت الحداثة استثنائياً في خلق أرضية ذات إسم لمجموعة الصراعات التي تخوضها المرأة انطلاقاً من التناقضات المفروضة عليها داخل الحداثة، أي على خطوط تماس الحديث-الحديث والحديث-القديم أيضاً. هي أرضية معركة حقوق المرأة، أو «القضية النسوية».

لكنّ وجود «القضية النسوية»، بحدّ ذاته، لا يحلّ أبداً التناقضات الواقعية المفروضة على المرأة، إلا أنّه يخفف حدّة القلق الجندري في الشرائح التي أشرنا إليها، لأنه يمكّن المرأة من تلمّس تميّزها كامرأة انطلاقاً من موقعها في السردية التاريخية كضحية للآخر الذي إسمه رجل. هذه المظلومية تحوّل بذلك جزءاً من قلق التناقض الجندري إلى فعلٍ يتخذ كامل صفته السياسية داخل التنظيمي واليومي في آن. داخل هذه الأرضية «النسوية» الكبرى، تتمظهر نسويات عديدة فتلبي حاجة المرونة داخل الحقل الهوياتي الذي يمكن له إذن أن يحتوي حتى على عناصر من الهوية الجندرية بمعناها التقليدي دون أن يبرز ذلك كتناقض داخلي.


داخل هذه الأرضية، لا يمكن للرجل أن يخفف حدة تناقضه الجندري، بل العكس غالباً. لأن مظلوميته في الحقل السلطوي لا تنتج ترجمةً جندريةً. تحيله هذه الأرضية إلى تلمّس ضديته ازاء السلطة الأبوية بالمعنيين التاريخي والعالمي، وبذلك يتعمّق أكثر فأكثر قلقه الجندري مع استحالة استعانته بالصورة الأبوية كنقطة ارتكاز للإجابة على سؤال الرجولة.

في حين يبدو كسر احتكار الأمومة لمصير المرأة ومعناها كنقطة انطلاق لتعددية خصبة محرّرة، يبدو تآكل الرجولة الأبوية كمأزق. ليس ذلك مفاجئاً إذا ما قاربناه في الحقل المجازي، حيث يتحرر المجاز النسائي من حصرية كناية الثقب- الفراغ- الفقدان ليكتسب أيضاً كنايته الخاصة في حقل البروز- الفيض- الامتلاء. بينما يشترط تحرير المجاز الرجولي حركةً في الإتجاه المعاكس، نحو دمج الفقدان.

لا يعني ذلك طبعاً أنه علينا اختراع مظلومية رجولية لتمكين الرجل من التمايز الجندري! بل الإحالة تصبح واضحة: ما يحتاجه الرجل للخروج الآمن على السلطة الأبوية هو بديل عن التاريخ يمكنه من الولوج إلى تسلسل آخر لرجولته، إلى رواية أخرى تفسرها.

لأن التأريخ إلى الآن لم يكن إلّا أبوياً حتى في حفظه لأكثر الأحداث انقلاباً على أبواتها. عندما يصبح التأريخ إبنياً لا أبوياً، عندما نحيي في ذاكرتنا الجسد المشرذم لتاريخ المتمرّدين، المجاذيب، المجانين، الأنبياء، المهمشين، المسحوقين، المجذومين… عندها فقط نبدأ بتحرير الرجولة من قلقها الجندري. وإذا حررنا الرجولة من ثنائية القديم/الحديث، المتسلّط/الخاضع، الشرقي/الغربي، نقترب خطوة إضافية من بناء الثقافة القادرة على حمل مشروع تحرّريّ من الحداثة المعولِمة والطغيان المعولَم في آن، من جلّادينا.

مــــــلــــــف
قلــق السيـاســة

يعاين ملفّ «قلق السياسة» تداخل عالم السياسة بعالم النفس، من خلال عدد من النصوص، ترسم معالم قلق جماعيّ.

أسئلةٌ لا ينبغي أن يطرحها الإنسان، طارق ابي سمرا
جدرانٌ تشفي، مارتين بجاني وهلا كرباج
الشارع بين المقاومة والانهزام، دارين أبو سعد
خوف من البشر واطمئنان للعملة: يوميّات من عالم ما قبل الانهيار، فادي بردويل
الانهيارُ على بُعد حائط، جنان نون
هذا ما جناه أبي (والنظام) عليّ، ريم منصور
ليس للصحراء هنا بداية ولا نهاية، فاطمة فؤاد
تناقضات الشخصية المتمرِّدة: قلق الجندر ومأزق الرجولة، مازن السيّد
أبي طريح فراش الموت: تحليل نفسي- نظري للطائفيّة، ناديا بو علي
رأس مال قلق، غالية السعداوي
عن بابٍ فتحتْه الانتفاضة ولم ندخله، سمير سكيني

تم نشر الملف في 10 نيسان 2021.


معالِجتي النفسيّة وجسر الرينغ

حتى بدأتُ أشعر أن معالجتي النفسية تغار من «الثورة». فصرتُ أخشى التكلّم عما يحدث معي في شوارع بيروت وعنفها الليلي، وكأنّ الثورة سرّ عليّ التستّر عليه كي لا أجرح مشاعرها. بدأ الصمت يسود بيننا، فقرّرتْ هي أن تأخد زمام الأمور وأن تخفف عدد الجلسات، كوني وجدت في هذا الحدث منفذًا لغضب كنت أجهل وجوده

أسئلةٌ لا ينبغي أن يطرحها الإنسان

أَدْركَ لا بل تذكَّر أنّه حيوان سياسي. وأنّ لا حياة له خارج السياسة. وتذكّر أيضاً النعيمَ الذي كان يعيش فيه سابقاً، حين لم تكن السياسة تهديداً مُستمرّاً بالفناء، فكان يقدر على نسيانها لبعض مِن الوقت: كان لديه آنذاك حيِّز خاصّ به، عالمه الحميم الذي لا تقتحمه السياسة