عن ثقافة الذنب والانتصارات الوهميّة

لم يخطئ المتنبّي عندما قال إنّ المصائب لا تأتي فرادى: فساد، أزمات، جوع، فقر… والآن مرض.

قد يكون للأخير أقلّ وقعاً لولا لم تمزج الدولة بين الشوفينية والفشل وسوء الإدارة لتصبح إخفاقاتها مميتة. وكالعادة عندما تواجه الدولة أزمةً ما، تنوب عن الاعتذارات خطابات التأديب ولوم المواطنات والمواطنين مقابل تبجيل الذات والثناء على الانتصارات الوهمية: من «بلا مخ» ،«حذرناكن»، «يا لبناني حربوق ما تتذاكى عدولتك» إلى «انتصر حمد حسن».

وعندما لم ينتصر حمد حسن في إخفاء ولائمه واحتفالاته ونشاطاته الاجتماعية البعيدة كل البعد عن التباعد الاجتماعي، جاء قرينه الوزير الفهيم ليدافع عنه ملقياً اللوم مجدداً علينا: الحق عاللبناني… عندو ثقافة الطحش. (أي أنّ المسؤولية تقع على عاتق العشرين شخصاً الذين شاركوه المائدة التي ترأسها، أمّا هو، فبريء، لا حول له، فقد طُحِشَ عليه).

يحاضرون الناس بتعالٍ حول ضرورة الابتعاد عن التجمّعات، ولا يتوقّفون مع إعلامهم عن جعلهم يشعرون بالذنب الدائم.
كأنّ ذنباً كان ينقص هؤلاء.

ذنبهم إن خرجوا وذنبهم إن لزموا بيوتهم ولم يفلحوا في تأمين عيشاً أو مأكلاً لعائلاتهم أو إيجاراً لبيوتهم ومحالّهم.
ذنبهم إن كانوا مياومين أو إن أفلست شركاتهم أو إن حسمت معاشاتهم ورواتبهم.
ذنبهم إن تشردوا بفعل تفجير او انفجار أو ما شابه.

لا يهمّ…

فالذنب ذنبهم إن طاف الموت في غضون ثوانٍ على سكينتهم.
ذنبهم إن انهارت ليرتهم وذنبهم إن سرقت دولتهم أموالهم.
وذنبهم إن تذمّروا.

وكيف ننسى خطابات السنة الفائتة والطريقة التي تعاطوا بها مع الأزمة المالية: الليرة بألف خير، ومن يحذّر من اهتزازها مذنبٌ وهدفه زعزعة الاستقرار المالي. يستعاد المنطق نفسه، انتصارات وهمية ومن ثم تخوين، قبل لوم الناس الذين يخبّئون الدولارات في بيوتهم، ويعيشون برفاهية تفوق قدرتهم. هم مذنبون إن سكتوا ومذنبون إن ثاروا.

على كلٍّ…

ذنبهم إن مرضوا وذنبهم إن لم يعثروا على سرير مستشفىً يعيد النفَس إلى صدورهم.

وما عليهم من المسؤولين عن حالهم فهم في جميع الأحوال غالبون. وهم إن مرضوا، منتصرين مع سياساتهم، وعلى الحال العلاج في أيّ مستشفىً خاص أرادوا، يلقون. واللقاح إن وصل آجلاً فسيكونون أول من يستفيدون منه… وهم إن كانوا في السلطة فما عليهم؟

ما عليهم إن قرروا فتح البلد لمدة عشرة أيام من دون قيود في أوقات الأعياد؟
ما عليهم إن يتناقضون بالسياسات والقرارات: لا داعي للهلع/ إهلعوا، لا تسكير/ أَغلقوا، تدابير المفرد والمجوز سيّئة/ بعد يومٍ تصبح هي الحل، حظر تجوّل/ لا منع.
ما عليهم إن حذّروا من الموجة الثانية ولم يهيّئوا المستشفيات بالتجهيزات الكافية… إن لم يستطيعوا أن يستخدموا الهبات التي وصلت… إن تركوا 1000 سرير وتجهيزات لمستشفيات ميدانية مخزّنة في مستودعات تحت المدينة الرياضية بسبب خلافات تحاصص بين الأخلّاء؟
ما عليهم إن قالوا إلزموا بيوتكم ولم يفكروا في سياسات التعويض؟
وما همّهم إن غابت عن سياستهم السياسة؟

أمّا نحن؟ فمن حالفه الحظ ليفترش سرير المرضى، لاحقته كاميرات «السكوب» لتسلّع حزنه وألمه، ليس لانتقاد الحاكم… بل لإلقاء الذنب مجدداً على من لا يزال عالقاً بين حبس الحجر ولقمة العيش.

ثقافة الذنب تقتل، ككل شيء هنا يقتل.
ولكن على كل حال، يبقى عذرهم أقبح من أيّ ذنب.