ثلاثاء الثقة

الصورة واضحة، لا يمكن أن تكون أوضح من ذلك.
«حكومة واجهة» تريد نيل ثقة أقلية المجلس النيابي على مشروع الاستمرار بالسياسات الاقتصادية ذاتها وتكثيف نهب المصارف. موازنة فارغة تمّ التصويت عليها بالكواليس وتحت حماية القوى الأمنية. مصرف مركزي يتبنّى عمليات السرقة اليوميّة للمصارف بغية حمايتهم من الملاحقة القانونية. قضاء يخضع يومًا بعد يوم للأجهزة الأمنية ليوضح معالم البنية القمعية القادمة. نوّاب ووزراء وإعلاميون يتولّون عملية إهانة الناس لتأكيد عودة الأمور إلى طبيعتها. وهذا كلّه تحت رعاية المجلس الأعلى للدفاع والقوى العسكرية التي أخذت على عاتقها حماية عملية النهب والإذلال هذه.

الصورة واضحة، أسقطت بوضوحها «الدولة».
سقطت «الدولة»، فكرة الدولة، كغطاء لحفنةٍ من السياسيين والمتموّلين المتحكّمين بالوضع الراهن، وسقطت معها خرافة القضاء والمؤسسات والدستور والشرعية والقانون. لم يعد هناك مكان لتلطيف طبيعة الحكم في لبنان، للاختباء وراء كلمات كـ«إجراءات دستورية» أو «النظام العام» أو «إعادة رسملة المصارف» أو «التشركة» لإعطاء الحكم طابعًا مؤسساتيًا. أصبحت تلك المفردات «مبهبطة» على الوضع الراهن، لا تستطيع إضفاء أي من الشرعية على ما يجري. إنه نظام قائم على نهب خام ومحمي من عنف خام ومبرّر من تعال خام.

الصورة واضحة، لم يعد للثقة أي معنى بعد اليوم.
أن تكون «جلسة ثقة» تحت حماية أكبر انتشار أمني شهدتْه البلاد منذ سنوات هو التصويت الفعلي على سقوط الثقة. أن يدخل النوّاب الذين سيمنحون الثقة محاطين بجيوش المرافقين ودبابات الجيش هو الدليل على سقوط الثقة. أن تكون الحكومة الجديدة قد تبنّت موازنة الحكومة السابقة في جلسة غير شرعية أفرغ طلب الثقة من أي معنى. الجلسة غدًا ليست جلسةً لنيل الثقة، بل جلسة للنيل من مفهوم الثقة. إنها جلسة معمودية النظام الخام، جلسة التصويت على القطيعة بين المؤسسات من جهة، والناس من جهة أخرى.

الحدث غدًا ليس داخل مجلس النواب، بل خارجه في الشارع.

الصورة واضحة، غدًا امتحان بناء ثقة جديدة.
لن يتظاهر الآلاف غدًا لمجرّد منع الثقة عن حكومة فاقدة لأي شرعية. هذا بات وراءنا. التظاهر غدًا هو لإرساء مبدأ الثقة الشعبية، لاسترجاع «الشرعية» من ممثّليها المزيّفين ومؤسّساتها الفارغة. هو تظاهر لا يرفض المهزلة الدستورية وحسب، بل يؤكّد المسار الذي أطلقتْه الثورة بإعادة الشرعية إلى مصدرها الأولي، أي الناس المنتفضين. غدًا معمودية الشارع، معمودية تثبيت الشرعية في الشارع، وإعلان المؤسسات الرسمية أماكن منكوبة.

الصورة واضحة، وفي وضوحها هذا تُنتِج سلطةً بديلة.
غدًا يومٌ تأسيسيّ، يوم تأسيس سلطة بديلة على حطام «الدولة» وشرعياتها البائتة. سلطة بديلة شرعيّتها قائمة على رفض هذا العنف والنهب الخام المعروضَيْن علينا كخيار وحيد. سلطة تجد في الضواحي والهوامش والمناطق والشوارع مراكزها. سلطة تقوم على شعب قيد التأسيس في الصراعات والاعتراض والاحتجاج. غدًا ليس يوم تظاهر يعترض فيه الناس على أداء سلطتهم. غدًا يوم إعلان حرب، حرب بين سلطتَيْن، قد تتعايشان جنبًا إلى جنب بعض الوقت، ولكنّ مسار الحرب بينهما بات حتميًّا.

الصورة واضحة، لا يمكن أن تكون أوضح من ذلك.

الاقتراح كفعلٍ سياسي

لكنّ «الاقتراح» قد يكون، في خروجه عن حدود الممكن، هو المطلوب اليوم: اقتراحات قد تفرز، واقتراحات قد تزعج، واقتراحات قد تنقلنا من لحظة «الثورة» الجامعة إلى لحظة الفرز السياسي…

من أزمة النظام إلى أزمة معارضيه

رسم حدود فاصلة بين قوى المعارضة نفسها النزعة الإصلاحية حركة إسقاط النظام الطائفي حصرها بقانون انتخابات جديد مالت لناحية حزب الله انعكست الانتخابات هزائم تتصدّر المشهد في ساحة رياض الصلح تأسيس جبهة سياسيّة مستقلّة متجانسة