ثورة على (الخوف من) الأحزاب

ماذا يحدث؟ سؤال نردّده كل يوم… لا أحد يعرف.
تحقّق حلم بائع الكعك الطرابلسي الذي دام 30 سنة بأن يزور بيروت. وسُمعت هتافات طرابلس في ضاحية بيروت الجنوبية. فقد خرق الثوار بأصواتهم وأجسادهم الحواجز بين المناطق.
شيءٌ ما يحدث.

بدأت تتكسّر القوالب المناطقية، وبطبيعة الحال الطائفية والاجتماعية، التي لطالما عزّزها ورسّخها النظام اللبناني لصالحه. فالفرد الذي يهتف من طرابلس يقول لآخر في الضاحية: أنا لستُ كما تظنّني، ومعاناتي هي كمعاناتك، أسقِط عنّي أفكارك المسبقة، ولاقِني في منتصف الطريق. المناطق التي تهتف لبعضها بعضاً هي دعوة واضحة ورغبة عميقة بلقاء الآخر الجديد ومدّ جسور ثقة، حتى ولو في الهواء.
شيءٌ ما يحدث.

هذه الرغبة بلقاء الآخر لا تأتي إلا من الداخل، وهي محرّك أساسي لثورتنا اليوم. تشكّل تلك الرغبة وضوحاً ووعياً لم نتوقّعهما عند اللبنانيين بكل انتماءاتهم. إنها حالة نعيشها جماعياً، وكأنّ كلّ فرد منّا بدأ بمعالجة نفسه لكي يلتقي بالآخر، الآخر الذي ليس فقط من منطقة أخرى، بل هو الآخر البعيد أيديولوجياً وربما ثقافياً.
شيءٌ ما يحدث.

صدقت جريدة «الأخبار» عندما انتقدت الثورة لكونها من دون أيديولوجيا. فهي كذلك، وهنا بالضبط تكمن قوّتها. الثورة حتّى الآن يحرّكها الوعي الجماعي بالظلم والمطالبة بحياة غير مذلّة. لا يتطلّب ذلك أيديولوجيا، بل مجرّد تخطٍّ لخوفنا من أفراد الثورة، وثقة بأنهم هم أيضاً يعيشون الظلم الذي نعيشه ويحاولون كسر أيديولوجياتهم. فكما قال لي شاب التقيتُه عند تقاطع الشيفروليه لدى إقدامه وأصدقاءه على تسكير الطريق: «هنالك واحد «قوّتجي» بيننا، ونريد أن نشفيه».
شيءٌ ما يحدث.

ماذا إذاً عن الأحزاب؟ ماذا عن أفرادها الذين انتفضوا في الساحات في أوائل أيام الثورة؟
سائق السرفيس الذي اتفقت مع تحليلاته لما يحدث، قال لي إنّ علينا أن نأخذ في الاعتبار أنّ من مهّد لنا الطريق هم أفراد من حزب القوات اللبنانية. تكرّرت هذه اللحظة عندما تحدّثتُ مع صبايا من جمهور حزب الله اللواتي ردّدن إنّ قلوبهنّ ثائرة معنا وإنهنّ مثلنا يعانين من الحياة المزرية في لبنان. أولئك الصبايا يرجعن إلى بيوتهنّ ويتساءلن إن كان هنالك شيء ما باستطاعتهنّ أن يفعلوه بالرغم من خطاب السيّد الذي طلب فيه منهنّ الخروج من المظاهرات.
شيءٌ ما يحدث.

أتساءل اليوم ان كان لنا دور بخلق مساحات لجمهور الأحزاب، مساحات تسمح لنا بملاقاتهم ليس فقط كحزبيين بل كأفراد في منتصف الطريق لنمشي معهم خطوة خطوة. فهم مثلنا، بل أقوى منّا نحن غير المحزّبين. فهم من مزّقوا أو قبلوا بتمزيق صور زعمائهم في طرابلس، وهنّ من يفكّرن بأدوارهنّ في الثورة من بيوتهنّ رغم زعيمهنّ. ينبغي ربما أن نصدّق هؤلاء الأفراد، وننظر كيف باتت علاقاتهم الطويلة مع أحزابهم منتهية. أتساءل ما إذا كان الوقت قد حان كي نعيد النظر إلى الفيل الجالس بيننا في الغرفة. فلتكن ايضاً ثورة على كل نفس تخاف من الأفراد المحزّبين.

لتكتمل ثورتنا، علينا أن نثق ببعضنا بعضاً أكثر، لأنّ شيئاً ما يحدث.