«ثورة لواط»

مرّت الـ«ستوري» على إنستغرام بلمح البصر. تعيدها مراراً. مشهد لناشط كويريّ يدعى سوار، يرشّ على حيطان بيروت، بلا خوف. يكتب بحماسة: ثورة لواط.

تبدو الكلمة بحدّ ذاتها ثورية. ليس لأن ظروفها مواتية اليوم لانتفاضة الشارع، بل لأنّ الشاب اختار كلمةً صارت محتقرة في أبجديتنا، باعتبارها تحطّ من قيمة المثليّين، أو تزيد من احتقارهم، لأنّها تستخدم في كلامنا الشفهي اليومي كإدانة.

ليك هاللوطي أو كس إختو شو لوطي. جملٌ لا تسأم من بثّ الكراهية والعنف. لكنّ الثورة حوّلت هذه الشتيمة إلى أداة ضد السلطة، وإلى مزاج عام تختلط فيه مشاعر الغضب بالمرح. وهي تتوجّه إلى الخطاب العامّ لتكسر كلّ تابوهات الخوف والفزع والتعييب والتحريم، وإلى كلّ ما هو مكرّس وثابت عبر آليات الذكورة.


كلمة لواط التي يتسخدمها الذكور ضدّ ذكور آخرين مثلهم، لهم ميول جنسانية تختلف عنهم، لم تعد تشكّل اليوم احتقاراً لمثليّتنا. وهي لم تكن كذلك في الأصل، لولا فزعنا من استخدامها الذي راكم تاريخاً من العنف والدونيّة.

لكنّ سوار جاء بهذه الكلمة الجافة، ورشّها على الجدار طازجةً، صارخة، ومهيبة أيضاً. فبات لها وقعها كشعار احتجاجيّ لا يمكن أن تقرأه من دون شعور بالقوّة والتحرّر. كأن ثقلاً ينتهي هنا.

استخدم كلمتهم التي عنّفوا بها الآخر «اللوطي» أو «اللي بينتاك». استخدمها كي يدافع اللوطي عن لواطه وفِعل لواطه ويناضل للعيش من أجل ممارسة حقّه في اللواط. لذا لا خوف اليوم من هذه الكلمة التي كُتبَت هكذا في فضاء الثورة. كأنّها استخدام رمزي، هدفه التثوير على اللغة المثلية وخطابها، وعلى استخدام الإعلام اللبناني لها في السنوات الأخيرة في برامج تافهة لمعدّين هواة وبلا أي ثقافة أو مرجعية أفهومية، ساهموا في الترويج لكلمة لها وقعها في الماركيتينغ، لكسب المشاهَدة ورفع مستوى الرايتينغ.


كلمة «لواط» ليست جذّابة، لكنّها ثائرة على كل الاستخدام السابق لها، وكل استثمار لهذه الفئة من قبل جمعيات أو برامج أو ورش عمل أو تقديمات. كأنها ضد الرأسمالية والطبقية وضد «امتيازات» تُمنَح لمثليّين وتُمنَع عن آخرين.

جاءت الكلمة أيضاً موازية لحركة النضال التي يمارسها ناشطون وناشطات كويريّون/ات تمّ قمعهم/ن. لم يجدوا لهم صوتاً، ليس في المجتمع وحسب، بل في دوائرهم الصغيرة أيضاً، لا بل داخل مجتمع الميم نفسه الذي يدّعي انفتاحه على كل البيوت الكويرية.


تكمن «أناركيّة» اللغة في تحطيمها المقدّس، كما فعل هذا الغرافيتي السريع الذي لن نعرف مصيره في المستقبل. فهو، مثله مثل جمل أخرى زيّنت جدران بيروت كــثورة ال جي بي تي، وثورة عابرات، سيُمحى ربّما أو يُنسى. لكنّه يبقى إضافةً حيّة لرموز هذه الثورة الشعبية التي لم تهدأ منذ عشرة أيام.

إنّها ثورة لواط، اللي بينتاكوا وبينيكوا رجال. ثورة عابرين/ات جنسياً. ثورة سحاق وسحاقيات، ثورة لكلّ مخفي ومسكوت عنه. ثورة حقوق وإحقاق حقوق. ثورة مواطنين لبنانيين يساهمون في بناء دولة مدنية.

الاقتراح كفعلٍ سياسي

لكنّ «الاقتراح» قد يكون، في خروجه عن حدود الممكن، هو المطلوب اليوم: اقتراحات قد تفرز، واقتراحات قد تزعج، واقتراحات قد تنقلنا من لحظة «الثورة» الجامعة إلى لحظة الفرز السياسي…

من أزمة النظام إلى أزمة معارضيه

رسم حدود فاصلة بين قوى المعارضة نفسها النزعة الإصلاحية حركة إسقاط النظام الطائفي حصرها بقانون انتخابات جديد مالت لناحية حزب الله انعكست الانتخابات هزائم تتصدّر المشهد في ساحة رياض الصلح تأسيس جبهة سياسيّة مستقلّة متجانسة