جدار وسط بيروت: العَلَم والكفن والمومياء

لم يكن سقوط جدار برلين، مع كلّ ما حمله هذا الحدث من أبعادٍ ومتغيّرات، يعني بالضرورة سقوط كلّ العوازل بين الشعوب. فما زالت الجدران في العالم قائمة وتتمدّد، وبعضها يُستحدث ليفصل بين الناس، إن كَشعبَيْن على أرضٍ واحدة أو بين شعبَيْن ضمن حدود أرضَيْن.

العَلَم

في لبنان شعوبٌ كثيرة، ولكنّ الجدار لا يفصل بين هذه الشعوب، بل بين مجموع الشعب والطبقة الحاكمة. ذلك أنّ حكومة حسان دياب، قبيل جلسة طرح الثقة، تقطع شوطاً آخر من التقوقع بزيادة الخناق وعزل المجلس النيابي والسراي الحكومي بالكامل بجدار فاصل. هذا الجدار يشكل كلُّ بلوك إسمنتي جديد منه لوحةً خام لمشروع غرافيتي يزيّنه الثوار، لتعود بعدها الدولة إلى طلائه بالعلم اللبناني تأكيدًا على وطنيةٍ وسيادةٍ صلبة كجودة نوع البويا المستخدم من متعهّد الدهان.

تكفي نظرةٌ عامّة إلى وسط المدينة أو جولةٌ في شوارعها لترسم صورةً مهيبة: مدينة أشباح وعناصر أمن، فارغة من كلّ أشكال الحياة يزنّرها علم لبناني من باطون مسلّح لا يرفرف.
اللافت في الأمر أنّه مع كلّ استحقاق جديد، تضيق مساحة هذا العلم وكأنه يطوى على نفسه. يذكّر ذلك بالصورة الحاضرة في السينما، خصوصًا الأميركية، حين تقوم جنازة رسمية فيلَفّ النعش بعلم كبير ثم يطوى تباعًا إلى 13 ثنية لكلٍّ منها رمز وطني وأيديولوجي، قبل أن يسلّم العلم المطويّ إلى ذوي الفقيد.

قد تختلف هذه المشهدية بين السينما وأرض الواقع، فينشب الاختلاف على نوع العلم. يتّفق المشيِّعون على الموت، ويختلفون على هوية هذا الموت. هذا ما حدث عام ٢٠١٧ في جنازة الرئيس العراقي السابق جلال طالباني بعد قيام سلطات إقليم كردستان بلفّه بعلم الإقليم، ممّا أثار استياءً لاعتبار طالباني رئيساً سابقاً لكلّ البلاد ويجب لفّ نعشه بعلم العراق. وهذا ما يحدث أيضاً في كلّ جنازةٍ لحزب الله، حين تتضارب الآراء حول وجوب لفّ النعش بعلم الحزب أو علم لبنان.

الكفن

تعود ممارسة لفّ النعش بالعلم إلى القرون الوسطى حيث كانت النعوش تُغطّى بسندون (كفن) تيمُّناً بالكفن الذي غطّى يسوع والذي ما زال محفوظاً في مدينة تورينو. عام 1976، كتب الراهب السالسي بياترو سكوتي الأستاذ في جامعة جَنوى- إيطاليا، مقالةً تناول فيها تعريف كفن المسيح، وأطلق تسمية سندونولوجيا (sindonologie) على دراسة هذا الكفن. والكلمة متأتّية من اللغة اليونانية ومركّبة من كلمتين: سندون أي كفن، ولوغوس أي عِلم أو دراسة. لكنّ ابحاثاً أخرى تقول إنّ كلمة سندون Sindon متأتية من سيدون Sidon نسبة إلى مدينة صيدا اللبنانية، حيث يُمكن أن يكون الكفن قد حيك على النول.

المومياء

سواء وُجدت صلةٌ لكفن يسوع بلبنان أم لا، فإنّ حائط الفصل اللبناني لا يشبه كفنَ المسيح لأنّ الكفن قطعة واحدة بينما تتكوّن جداريّة العلم من بلوكات باطونية متعدّدة. لعلّ الحائط اللبناني يشبه أكثر طريقة المصريّين القدامى لدفن موتاهم، حيث كان هؤلاء يلفّون الجثة بعد تجويفها وتحنيطها برباطات قصيرة وقطع صغيرة من القماش خلافاً لليهود الذين عمدوا إلى تكفين الجثة بقماش كبير. هذا التشبيه، على الأرجح، هوالأصحّ والأكثر قرباً للصورة المهيبة في وسط البلد. هذه الطبقة الحاكمة التي لم توفّر جهداً إلا وسخّرتْه لتجويف البلد من كلّ مقوّماته، ومَوْمَأَتْه ليصبح شبيهاً بالمومياءات التي تحكمه.


مع كلّ تضييق جديد للجدران الفاصلة، يُطوى العلم ويصغر إلى حين الانتهاء من المراسم وتسليمه إلى ذويه. وكما قيل للنسوة حين أتيْنَ إلى قبر يسوع ولم يجدْنَه، لماذا تطلبون وطناً بين الأموات؟