جمهوريّة المطلوبين جمهوريّتنا الآتية

لماذا يشترك معكم هذا العدد من الناس ويعرّضون أنفسهم للملاحقة؟
اسألهم، إنّهم يشعرون بالظلم، يعرفون مصير الفقير والممعوس. الدولة لا تعاملهم بالمساواة. كلّهم يعرفون ماذا يحدث بالذي يدخل التحقيق. يُداس بين جزمات الدرك والتحرّي ويُطرح في النظارة كالكلب.

ماذا عن علاقتكم بسكان الأحياء؟
إنّها جيّدة، فنحن نتبادل الضيافة ونعيش بينهم كالأخوة عيشةً همشرية وإذا وقع أي خلاف أو مشكل، نتدخّل ونصلح الأمور حبيّاً.

(مقابلة مع أحمد القدّور، قائد حركة المطلوبين، أجراها نجيب اسكندر لجريدة النهار، 10/11/1974) 

في طفولتي، في طرابلس القديمة، في السبعينات قبل الحرب، كنّا حين نذهب إلى المدرسة باكرًا من الرفاعية عكس السير باتجاه «تم السوق»، نمرّ على حاجز المطلوبين. كان المسؤول عن الحاجز اسمه فيصل الأطرش وكنتُ أناديه عمّو فيصل، وكان يريني، مبتسمًا دومًا، سلاحه والقنابل اليدوية على حزامه.

جمهورية المطلوبين في المدينة القديمة كانت جمهوريةً روبن-هوديّة ممنوعة على الدولة اللبنانية. كانت تُجبر تاجر القماش الثريّ على دفع العملية الجراحية لأمّ هيثم، وتفرض خوّات غذائية على تجار الخضار واللحامين لمن لم يكن يملك ثمن الأكل.

كانت جمهورية المطلوبين خليطاً من عامية منبوذين وحركة زاباتية لم تسلم فيما بعد من الأخطاء، وانتهت بهجومٍ شامل للجيش والمغاوير على زواريب المدينة القديمة في 1975، أشهراً قبل سقوط الدولة اللبنانية برمّتها.


ما يحصل في طرابلس اليوم ليس إلا تنمُّراً لتحالف البورجوازية الطرابلسية التافهة والجبانة وأجهزة السلطة الوقحة لقمع أبناء الحارات الفقيرة لأنّهم لا يلتزمون الحجر، لأنّهم أبناء ما تبقّى من روح هذه المدينة التي عجز أزلام المليارديرات عن ضمّهم وفرزهم وتحويلهم نهائياً إلى خَدَم في قهاوي أراكيل المعرض.

أبناء الحارات التي اعتادت تقاسم ما تيسّر وما لا يتيسّر، أبناء الحارات التي تغضّ القوى الأمنية النظر فيها عن مروِّجي الكبتاغون وأخواته لأنّه «خلّيهم يحبحبوا أحسن ما يعملولنا ثورة».

نعم هم لا يعون خطر الخروج والاختلاط، هم لا يشعرون بإمكانية أذية بعضهم بعضاً، هم لا يعون حتّى أنّ الوباء قد يرغب بهم. فقد اعتادوا ألا يرغب بهم أحد إلا في موسم الانتخابات وتعليق الصور. واعتادوا وباء القهر والخديعة، وعشْعَشَ الحرمان في أبسط رغباتهم.

نريدهم أن يخافوا لخوفنا، ويُحجَروا لحجرنا، ولو لم يخرجوا صارخين لما عرفنا بجوعهم ولا ذكرناه.

خوفنا اليوم هو حليفهم الوحيد والأمضى.

سلاحهم الآتي بصقة دسمة بالفيروسات في وجهنا جميعًا. هذا الوجه الذي اعتاد أن يشيح بنظره عنهم وهو لا يراهم اليوم إلا كخطر محدق، كقنبلة نخشى شظايا انفجارها ولا نبالي بمن هم بارودها. كحريق نخشى امتداده وننسى الجمر الذي تركناه سنواتٍ في هشيم الفقر. ربّما أشحنا بنظرنا لأنّا كنّا حينها نحصل على فوائد مرتفعة من مصارفنا «يلي ما بتهزها الريح».


ولم نتعلّم.
اليوم تركب المنظومة موجة الوباء لتعيد اختراع نفسها دولةً بوليسيةً جبانة لما بعده، لما بعد الإفلاس وبعد السرقة الكبرى وبعد الوباء الشافي لعاهاتها.

ولم نتعلّم.
اليوم تركب المنظومة موجة الوباء وتستدعي فقراء الغد حلفاء لسحق فقراء اليوم.

ولم نتعلّم.
اليوم تضعنا هذه المنظومة الموبوءة أبداً أمام خيار وباء اليوم أو وباء الغد. إنّها جمهورية وباء ما بعد الوباء.
اليوم ينظر إليّ فيصل الأطرش مبتسماً، واليوم أعي أنّ جمهورية المطلوبين ما هي إلا جمهورية طالبي الحياة بكرامة ولو من الوباء.

جمهورية المطلوبين جمهوريتنا الآتية.