17 تشرين بعد عام ▪︎ حان الوقت للتريّث والنقد

أسهل طريقة لجعل عقولنا تدور حولها [الثورة] هي التوقّف عن التفكير في الثورة كشيء- «الثورة»، الانقطاع الكارثي العظيم- وأن نسأل بدلاً من ذلك «ما هو العمل الثوري؟»

—ديفيد غرايبر

أمضيت بعض الوقت أفكّر في هذه المقولة قبل أن أقرّر كيف أصيغ نقدي للثورة/ الانتفاضة وسط لحظة ذهول من مرور عام كامل على اندلاعها. أتحفّّظ أحياناً عن نقدها ولكن أفهم أسباب امتعاضي منها ومن المعارضة. وبعد الانفجار، تحوّل هذا التحفّظ إلى تخبُّط بين جدوى مدح وانتقاد كلّ ما تخلّلته الثورة من مشاكل كان بإمكانها تجنّبها أو تخطّيها. لكن قد يكون من الأجدى أن أوجّه النقد للمعارضة وليس للثورة بحدّ نفسها، بما أنّ الثورة ليست كياناً واحداً متجانساً بل حدث تجسّده موجة اعتراضية.

هنا أبرز نقاط النقد التي لم تنفكّ تلاحقني خلال السنة الأخيرة.

التمسّك بالثورة كغاية لا كوسيلة

أستذكر الفترة الأولى حين كان الكثير من الناس والمتظاهرين يسارعون للدفاع عن الثورة ونقاوة روحيّتها عند وقوع عنف ثوري أو في السجالات حول مشاركة حزبَي الكتائب والقوّات. يبدو أنّ الثورة لا تزال اليوم بالنسبة للكثير من المجموعات السياسية الجديدة، غاية سامية وليست وسيلة للوصول إلى العدالة الاجتماعية. لطالما شهدنا أو شاركنا- رغمًا عنّا- في طقوس تقديس الثورة ككيان أوحد في عالم خاصّ بها لا علاقة له بالواقع الاجتماعي ومنسلخ تمامًا عن السياسة. التمسّك بالثورة كغاية بحدّ ذاتها لم يعد مجدياً بعد الآن. أو ربّما لم يكُن يوماً مجديًا، خاصّةً وأنّنا لم نحدّد ما هي العدالة التي نريدها، بعيدًا عن المفهوم الجنائي والقضائي المعتاد، وبالأخصّ مع تطفّل الجهات المدافعة عن القطاع الخاصّ والتي تروّج لمفهوم إشكاليّ عن العدالة يتمثّل بشيطنة مفهوم الدولة والترويج للخلاص على يد القطاع الخاصّ.

تسليع وتسويق الثورة

ركّز الأسلوب التسليعي والتسويقي لتظاهرات الانتفاضة إجمالاً على تبجيل التظاهر والمشاركة في التظاهرات كالحلّ الأوحد للتصدّي لـ«فساد» النظام والدولة. لكن هذا التركيزعلى التظاهر كفعل مقدّس أضرّ الانتفاضة أكثر بكثير ممّا نفعها. فتعوّدنا على الاسيتقاظ على عشرات الرسائل الصوتية وصور الدعوات التي تحثّ الناس على التظاهر دون عناوين واضحة. كأنّ الثورة أصبحت منتَجًا تجاريًا تتهافت المجموعات السياسية لتسويقه لجماهير غاضبة ومجهولة تنتظر دعاية أو دعوة كي تحتلّ الشوارع. لعلّ الرسالة الوحيدة الجامعة بين كافة الجهات الداعية كانت الإصرار على عدم خسارة الزخم، ممّا تضمّن افتراض التظاهر كأداة قوّة أو سلاح ضدّ السلطة. في نفس الوقت، لم تنفكّ الكثير من المجموعات الجديدة تروّج للثورة كحدث وفعاليات مهرجانية، أصبحت من يوميّاتنا دون تفكير أو تخطيط جدّي لما بعد الثورة.

الخطاب وأزمة الشرعيّة

لا يزال جزء واسع من المعارضة يتبنّى خطاب لوم الشعب أو التوجّه إلى جمهور الأحزاب عند كلّ نقطة مفصلية. فبالرغم من انخراط الكثير منهم في العمل السياسي أو التنظيمي، لا ينفكّ الكثيرون عن لوم مناصري الاحزاب واتهامهم بكونهم خواريف لعدم انسلاخهم عن أحزابهم. إلّا أنّ هذا الخطاب يعطي بعضاً من الشرعية للأحزاب وللسلطة، مما يتناقض بعض الشيء مع خطاب المعارضة التي تعتبر السلطة فاقدة الشرعية بالمطلق. المشكلة في هذا الخطاب أنّه توقّف مكانه ولم يقدّم فهماً أو نقدًا عميقًا للطبيعة الزبائنية للنظام اللبناني ولن يبتكر خطاباً جدّياً يتوجّه للمناصرين كجزء من الشعب.

المعضلة الأخرى في خطاب المعارضة هي التركيز فقط على الفساد كمنبع مشاكلنا مع النظام، لا كإحدى وسائل استمراره. لا يمكن لأحد أن ينكر حجم وأثر الفساد في لبنان، إلّا أنّ التركيز عليه دون الجوانب الأخرى من جوانب النظام وقمعه قد يوحي وكأن الحلّ يكمن في استبدال أشخاص بآخرين نظيفين ضمن نفس أطر النظام. هذا التركيز يمحو كليًا طبيعة النظام المبنية على التقسيمات وليس على الأشخاص أنفسهم. ثمّ أنّ الخطاب الترويجي للبدائل، كما شهدنا وخاب أملنا في بعض التنظيمات النقابية، ركّز غالباً على «الاستقلالية» عن السلطة باعتبار ذلك مؤهّلًا ومبرّرًا لرغبتهم باستبدال الأحزاب. لكن هل هذا كافٍ دون خطط فعلية للتغيير عمليًا وليس خطابيًا وحسب؟

الأسلوب والاستعراض

قد يكون الأسلوب الاستعراضي من أبرز جوانب الثورة حتّى قبل اندلاعها. وهنا لا أعني الأجواء المهرجانية في ساحة الشهداء، بل الدعوات للتظاهر ثمّ المظاهرة نفسها. كنّا نشعر في الكثير من الأوقات أننّا نلعب أدوارًا في سياق أداء أكبر هو المظاهرة، لا لشيء سوى لنثبت لأنفسنا وللعلن (وللنظام أيضاً) أنّ الثورة مستمرّة ولم تمُت بعد. يوماً بعد يوم، سبتاً بعد سبت، نزلنا تحت شعارات مختلفة في أعداد كبيرة لنُعيد أسطوانة الكرّ والفرّ وتركيب اليافطات والصور لكن دون نتائج فعلية أو عملية. أصبحت الشعارات مجرّد كلمات نلجأ لها لنشعر ببعض من الارتياح كي لا نواجه ضعفنا أو عدم استعدادنا يوم الخميس 17 تشرين 2019: مكملين، الثورة مستمرّة، راجعين…

التعامل والتنظيم

بالتأكيد، لا يعني هذا كلّه أنّ الأزمات اليوم هي مسؤولية المعارضة فقط. ولكن حان الوقت لمواجهة ضعفها وأسبابه. فالعديد من التحالفات لا تزال تنشأ لكن دون وضوح في النظرة أو تبقى محصورة بنشاطيّتها. الحديث مرّة تلو الأخرى عن ضرورة التنظيم القاعدي والمواجهة في المعارضة دون التوسّع خارجها يطرح السؤال عن شكل التنظيم والمواجهة التي نعنيها، بعيداً عن تكرار خلق التحالفات الجديدة المكوّنة من ناشطين فقط، والتي تختزل السياسة بمواجهة مبهمة مع بعض الشخصيات السياسية في أحسن الأحوال.

شو كنت عملت بالـ1975؟

جولات القتال في الطيّونةعوامل الدم والخوف والخطر الداهمالحركة الاعتراضيّة منذ الـ2011كنظام ابتزاز دائمالكوريدور أو الملجأ أو المنفىمراقبين خارجين عن مجتمعنا أو مهلّلين للقتل الدائمرعب تلامذة المدارس المحاصرينكوننا لسنا بالـ 1975

عارف ياسين، الرجل الذي أتى من تحت

وصول جاد تابت من فرنسا «بيروت مدينتي» «الخيار المهني» «نقابتي للمهندسة والمهندس» فاز جاد تابت بفارق 21 صوتاً، 4079 صوتاً لجاد تابت مقابل 4058 لنجم واحداً فقط كان يعمل في شؤون النقابة اليومية، وهو عارف