«الشارع ما بعد الوباء»: حان وقت التنظيم

شكّلت تظاهرة 6 حزيران تعبيراً مباشراً عن عمق الأزمة السياسية التي يعيشها النظام اللبناني بجميع مكوّناته: معارضة مستجدّة ومنظومة حاكمة.

فمن جهة،
تصاعدت حدّة التوتّر بين مجموعات انتفاضة 17 تشرين وظهرت إلى العلن انقسامات واضحة المعالم حول الأولويات المتضاربة، وهذا ما دفع بعض المجموعات للاعتكاف والامتناع عن المشاركة مع انحراف بعض الأصوات نحو التخوين والتجييش ضدّ رفاق الأمس المشاركين بالتظاهرة.

ومن جهة أخرى،
رأينا بالعين المجرّدة فداحة الأزمة التي باتت تحاصر الأحزاب الطائفية الحاكمة وفي مقدّمها حزب الله– الأكثر تأزّماً– الذي ارتأى أن يعيد تذكير الجميع، بمن فيهم المجموعات الشبابية المنتفضة، بحدود العمل السياسي التي أرساها منذ أيّار 2008.

فهل نجحت الأحزاب بوضع حدّ للآمال التي بُنِيَت على مدى 3 أشهر من الحجر حول ضرورة العودة إلى الشارع؟ وهل الانقسام الحاصل بين المجموعات يصيبها في مقتل؟


عمليًا، تتوقّف الإجابة على هذا السؤال عند طبيعة المقاربة التي ستعتمدها مختلف المجموعات لأحداث السادس من حزيران والتي ستساهم في رسم معالم المرحلة المقبلة في البلاد.

أوّلًا،
الكلام عن تسلّق بعض الأحزاب السياسية التي شكّلت وعلى مدى عقود جزءًا أساسيًّا من المنظومة الحاكمة لم يعُد وهمًا ولا نظرية مؤامرة تروّج لها المجموعات المنبثقة عن الانفجار الذي حصل ليل 17 تشرين.

طبعًا، التظاهر هو حقّ مشروع يصونه الدستور لكلّ مواطن ولكلّ مجموعة. لكن من الضروري ألا يعرقل واقع تلاقي بعض الشعارات السياسية لتلك الأحزاب والمجموعات ضرورة تحديد الموقف من الأحزاب كالقوات والكتائب وحتى الحزب الشيوعي.

فهل تلك الأحزاب شريكة أو حليفة، أو أنّ المرحلة تقتضي تقاطع المصالح والجهود من أجل تحقيق مكتسبات معيّنة وإحداث اختراقات في صفوف المنظومة؟ الجواب على ذلك سيريح جميع الأطراف، ويحدّ من إمكانية فرض تلك الأحزاب لأجنداتها السياسية (الضيّقة في كثير من الأحيان) على شباب وشابات انتفاضة تشرين.

ثانيًا،
ضرورة تسريع عملية تشكيل جبهات تحت عناوين سياسية مشتركة للمجموعات على اختلاف توجهاتها.

هنا لا بد من الاعتراف أنّ الكلام عن مظلّة واحدة تحوي الجميع هو محض خيال. فالتنوّع الفكري والعقائدي داخل المجموعات هو أساس لتفعيل النقاش حول مستقبل البلاد، كما هو اساسي لطرح بدائل للمواطن اللبناني يمكن أن ينضوي تحتها أو يعبر إليها دون حصره بخيار واحد غالباً ما يكون إقصائيّاً لشريحة من المجتمع.

تنطلق هذه المقاربة من واقع أنّ الأزمة اليوم هي أزمة نظام سياسيّ، ومحاربة الفساد ليست إلا أحد أوجه المعركة لكنّها ليست المعركة الأساسية. من هنا يمكن للجبهتين العمل على بلورة طروحات سياسية، ولكن دون التوقّف عن تحريك الشارع بحجة المطالب المعيشية والاجتماعية التي اتّضح أنّها المضادّ السمّي/ الأنتيدوت لألاعيب الفرز والتجييش الطائفي التي غالباً ما تلجأ إليها المنظومة كحلّ لأي أزمة تواجهها.

ثالثاً،
مقاربة موضوع حزب الله، حامي المنظومة ومدجّنها وأوّل المعتدين على انتفاضة 17 تشرين الشعبية.

فقد أعاد الأسبوع الفائت للأذهان مدى حساسية موضوع السلاح عند الجميع، ومدى الانقسام حوله. كما بات موضوع السلاح مادّة ابتزاز من طارئين على الانتفاضة يزايدون ويعايرون الناس كما لو أنّ رفع شعار سحب سلاح الحزب وحتى الهتاف ضده سيأتي بوصفة تزيله من الوجود.

المضحك في الموضوع هي النشوة التي يعبّر عنها هؤلاء حينما يكشّر الحزب المأزوم عن أنيابه، ويختار الإحياء المنظّم لخطوط التماس الأهلي. وكأنّنا لا نعلم أنّ الخصم الأساس هو وحش كاسر، وكأنّنا لا نعلم أنّ الحزب مستعدّ أن يرقص دائمًا على حافة الاحتراب الأهلي لكي يمنع أيّ كلام أو نقاش حول سلاحه.

لذلك، تلافيًا لابتزاز أصحاب هذا الفيتيشيزم، وتلافيًا للابتزاز المضادّ الذي نتعرّض له من قبل حزب الله وأتباعه على قاعدة التخوين المستمرّ منذ لحظة 17 تشرين، وتقسيمنا بين أخيار وأشرار، لا مناص أمامنا سوى الانغماس في المزيد من الجهد لتنظيم صفوف الانتفاضة وبناء جسور التقاطع السياسي وتحديد قواعد الاشتباك المرحلية والاستراتيجية مع السلطة وحزيها الحاكم.


ما اعتُبر سقطةً في 6 حزيران قد يولّد وضوحًا أكثر إذا ما تعاطينا معه كمحطةٍ أساسية تفصل المرحلة السابقة والنوستالجيا الثورية عن ماهية العمل السياسي والتنظيمي المرجوّ في المرحلة المقبلة.

وفي جميع الأحوال، إن لم ننجح باستعادة الجمهورية، فعلى الأقلّ علينا ألا نُسهّل مهمّة إعادة تجديد السطو عليها.


هذا المقال جزء من ملف الشارع ما بعد الوباء.
تابع هنا لقراءة رأي علي هاشم وسامر فرنجية وريما ماجد وعماد عامر

«الشارع ما بعد الوباء»: إلى أيّ «شارع» نعود؟

انتهت لحظة 17 تشرين ورغبة في أن يعيد هذا التاريخ نفسه بمحاولة لإعادة افتعال مشهد لا يمكن تركيبه من جديد فالشارع جزء من مشهد أوسع محكوم بعلاقات القوّة وتناقضاتها هذه المرحلة تحتاج إلى ابتعاد عن نزاعات قوى الثورات المضادة

«الشارع ما بعد الوباء»: عن شَلَلٍ اسمه «الثورة»

استعادةً مكثّفة لمشاهد تظاهرات الأشهر الماضية لم تكن السلطة في الواجهة، بل انحسر التنافس بين القوى المعارضة على اسم الثورة فالانتقال إلى مستوى «المطالب السياسية» قد يكون ضرورياً، ولكنّه قد يكون انتقالاً مُشلّاً ولتلك الجماعة جماعتُها المضادّة التي تهبّ كلّ مرّةٍ للدفاع عن السلاح إمكانية تحوّل «الثورة» إلى أيقونة جامدة