حديقة الصنائع

كثرت الأحداث في مدينتي ومعها كثرت زياراتي الى حديقة الصنائع، إلى جانب نزهتي لكورنيش بيروت. أصبح هذان المكانان ملاذي الأخير والوحيد في مدينة اعتُبرت معظم أمكنتها أملاكاً خاصة لا تستطيع العبور إليها، أو محظورة أو مناطق عسكرية.

ضاقت المدينة أكثر وأكثر حتى اصبحت بمسافة غرفتي. 

قبل بضع سنوات، كنت أرى حديقة الصنائع صغيرة. كنت أضحك من تواضعها الملحوظ وفوضاها، إذ كنت مفتونة بزيارة حدائق كبيرة خارج لبنان. لكن بعد عودتي الحديثة للمكوث في لبنان، أصبحت زياراتي شبه اليومية لحديقة الصنائع كزيارة عيادة الدكتور النفسي. أتخلّف بعض الأحيان عنها، عن قصد، تحسّبًا من أن ينعتوني بالمجنونة. فنحن نراقب ونحكم ونضحك.
 
فجأة، أصبحت مفتونة بالحديقة، وأعرف معظم زواياها، أين أجلس، أين أحتسي قهوتي، أين أطعم الحمام، أين شجرتي المفضلة، أين أمارس رياضتي… أتأخّر أحيانًا عن الخروج، ولكنّ العفو يكون من الموظّف الذي يبتسم ويفتح القفل آذنًا لي بالخروج. أحياناً تقفل البوابة، فأقفز فوق السور وأعود طفلة.

حضرت ثورة تشرين وقلّ معها روّاد الحديقة. ومن ثم جاءت الجائحة، ولم تسلم الحديقة منها، فأقفلت. انفجرت مدينتي وتمزقت. وأصبح إغلاق الحديقة أمراً تافهاً، تافهاً أمام ما تراه العين ويسمعه القلب. تشرّد كثيرون وأفقر أكثر، وأصبح الشارع منامةً لبعض الناس، وأنا عدت لكورنيش البحر.

أقفلت المدينة قبل انتهاء سنة 2020، اقفال متنازع عليه كما هي الحال في أي قرار في مدينتي. علمت أن الحديقة تسمح لزوّارها المشاة فقط، فرحت وكأنني ربحت جائزة ثمينة. عدت لنزهتي القصيرة، ولكن بلا أي من زوارها. فقط بعض القلائل الصامدين داخل أسوار الحديقة، لا ننظر ولا نضحك ولا نلعب. أذهب للحديقة، فقط لأعبّر عن غضبي بصمت. حضر شهر كانون الثاني 2021 وأقفلت المدينة إقفالًا تامًا. لم يبقَ في الحديقة إلا زوارها من القطط والحمام. أقفل بائع القهوة مقابل الحديقة وتشرّد معه لاعبو الداما ورجالها المتقاعدون عن العمل. تشرّد زوارها وعدت وتشرّدت أنا من جديد.

بعد فترة، عدت إلى الحديقة، لأجدها مهملة، والعشب قد نما في الأمكنة المخصصة لألعاب الاطفال. أوراق الشجر في كل مكان. باتت خالية تمامًا من الزوار، ما عدا صاحب سيارة التاكسي مع إشارته التي تضيء ليلًا، يشعل السجائر مع الحارس الوحيد المتبقي في الحديقة.

أصبحت أخرج كل مساء. أمشي حول سياج الحديقة. كثر الرجال حول حاويات القمامة من حول الحديقة، يبحثون في بطونها عن طعام. وكثر الأطفال الذين يجلسون إلى جانبها. مؤلمة وقاسية مدينتي. ما زلنا نمشي لكننا بتنا نتحاشى بعضنا بعضاً. نمت أشجار الحديقة خارج السور لعدم تشذيبها. سوف نصبح غابةً قريباً. وهذا قد يكون جميلاً. كثر براز الكلاب وأصبحت دورتي الأولى حول الحديقة عبارة عن حفظ مكانها كي لا أدوسها في الدورة الثانية والثالثة… وأصبح محبّو إطعام القطط يطعمونهم خارج سياج الحديقة. أما محبّو الحمام، فباتوا يرمون فتات الخبز داخل سياج الحديقة. وأصبح رجال الداما يلعبون الداما بجانب سياج الحديقة.

أصبحت أحبّ الحديقة أكثر. ولكن من خارج أسوارها.

رسالة من عواطف، إليك

أنا يا صديقي، ككثر في هذه البقعة، يصيبني القلق… وعندما يسيطر: أضحك. هل كنت تعرف أنّنا نضحك قلقاً؟ وهل تعرف أن القلق بالنسبة لعواطفنا هو كرجال الأمن بالنسبة للمتظاهرين؟ ما أن تحاول عواطف التعبير عن حضورها، حتى يكشّر القلق عن أنيابه بابتسامة أو حتى بنوبة من الضحك، تختفي العواطف قسراً

استوَيْنا

تركها الحجر وحدها معهمصراخ جارتيتصارع للحصول على نفقةفقر الدمّ أنهكهاتحمد الله أنّها ترضع طفلتهاها قد ناهزت السبعين وتريد الثأرتدّخر ما يأتيها من دولارات