حزب الله إذ يمنع الحرب الأهليّة

مئة ألف

حين تحدّث الأمين العام لحزب الله عن 100 ألف مقاتل ضمن الهيكل العسكريّ لحزب الله، أضاف مباشرة: مائة ألف لمنع الحرب الأهليّة. فحزب الله ذو القوّة المعروفة ليس بحاجةٍ للتهديد بحرب أهليّة، فهو قادر على صنعها ساعة يشاء. لكنّه وجد نفسه بعد أحداث الطيّونة مجبراً على تهديد كلّ من تسوّل له نفسه التفكير بخوض حرب أهليّة.

ليست المسألة في تصديق أنّ حزب الله لا يريد حرباً أهليّة، فالأرجح أنّها لا تخدمه بشيء. فهو المهيمن على السلطة في لبنان، وهو الذي لا يريد من بلده الصغير إلا أن يكفّ عن إزعاجه فيما يخوض مغامراته الدمويّة خارج الحدود. لكنّ حزب الله الصادق في تفضيله تفادي الحرب الأهلية اليوم، يظنّ أنّ التبجّح بقوّته وصراخ «تأدّبوا» يمنعان حرباً كهذه. فمن أين أتت هذه الفكرة الغريبة؟


استراتيجيّة الردع

منذ نهاية حرب تمّوز، يعتمد حزب الله ما أسماه «استراتيجيّة الردع» مع إسرائيل. فقد أدرك أنّ فشل الحرب الإسرائيليّة في تحقيق أهدافها، سيدفعها نحو التفكير في إشعال حرب أخرى أخذ الطرفان يستعدّان لها منذ لحظة الإعلان عن وقف إطلاق النار. ورغم الاحتفال بـ«النصر الإلهي»، أدرك حزب الله حجم الدمار الذي طال البلد كلّه، وحجم التهجير الذي طال أهل الجنوب والضاحية، فكان لا بدّ من التركيز على منع حصول أيّ اعتداء بهذا المستوى في المستقبل القريب.

من هنا جاءت فكرة الردع، أي جعل كلفة أيّ اعتداء إسرائيلي فوق طاقة إسرائيل على التحمّل، وهذا كافٍ لثنيها عن التفكير بمهاجمة لبنان مرّة أخرى. بعد 15 عاماً على انتهاء حرب تمّوز، يقيّم حزب الله إيجابياً استراتيجيّة الردع التي اعتمدها، معتبراً أنّها حقّقت أهدافها مع العدوّ الخارجيّ، فلمَ لا يستخدمها مع أعداء الداخل؟


الطائفيّة بلا قفازات

لسوء الحظّ، تختلف آليات منع الحروب الأهلية عن منع الحروب الخارجيّة، لا بل قد تكون متناقضة. فسواء كان الطرف المقابل هو القوّات اللبنانيّة أو أيّ حزب آخر، فإنّ منسوب القهر الطائفيّ يرتفع ولا ينخفض حين تنظر طائفة إلى أخرى وترى عندها سلاحاً ومقاتلين.

لطالما امتلكت الهيمنة الطائفيّة روايةً تبرّر هيمنتها بما ليس طائفيّةً عارية. فامتلاك رواية وطنيّة جامعة كان يسير دائماً جنباً إلى جنب الهويّة الطائفيّة، سواء عبّرت هذه الهويّة عن نفسها بكونها الأكثر تقدّماً أو الأكثر ثراءً أو الأكثر قوّةً. وكلّما ازداد منسوب الاستقطاب الطائفي، كلما ازدادت الحاجة للتمسّك بالرواية الجامعة. وليست لحظتنا هذه اللحظة المناسبة لا للتبجّح بالقوّة ولا لإعلاء هتاف «شيعة شيعة».

ليس الخطير في حادثة الطيّونة أنّها جرت بين الشيّاح وعين الرمّانة. الخطير أنّها حدثت في تلك النقطة الحسّاسة، وسط هتافات «شيعة شيعة»، وبعد ليلةٍ من رفع الصلبان في الأشرفيّة. فمنذ 17 تشرين، وربّما قبل ذلك، لم يعد يملك الحزب ما يبيعه لأنصاره إلا هتاف الطائفية العارية: شيعة، شيعة، متوقّعاً من العلمانيّ أن يقول: شيعة شيعة، لكن مقاومون، ومن الطائفيّ أن يقول: شيعة شيعة، لكن أقوياء.

في الواقع، لا يطلب هتاف «شيعة شيعة» الذي بات النشيد المعتمد لـ«الثنائي الوطني»، إلا هتافاً طائفياً مقابلاً. الرهان على فائض القوّة لمنع الهتاف الطائفي المقابل لا يحمي من الحرب الأهلية، بل يعبّد الطريق إليها.

لكن أبعد من ردود الفعل على هذا الهتاف، فإنّه يدلّ بحدّ ذاته إلى ما وصل إليه حزب الله نفسه: الطائفيّة بلا قفازات. فشعار مواجهة الاستكبار العالميّ حوّله حزب الله إلى مجزرة دائمة في سوريا، وشعار المقاومة حوّله حزب الله إلى 7 أيّار مجيد في لبنان، وشعار نصرة المستضعفين حوّله حزب الله منذ 17 تشرين إلى تعويذة يحمي بها رياض سلامة.


فلننسَ للحظةٍ كلّ الملاحظات على حزب الله ودوره في الداخل والخارج. ولنتعاطَ معه كحزب مقاوم في سبيل سيادة لبنان وحرية لبنان ومصلحة لبنان. ألا يلفت نظر الحزب أنّه لا يكفّ عن تحقيق الانتصارات، لكنّ بلده الذي يحقّق كلّ تلك الانتصارات من أجله يدخل إلى انتخابات نيابيّة في ظلّ انهيار اقتصاديّ تاريخيّ، وما مِن نقاش في الفضاء العام سوى الحرب الأهلية؟

لا تكمن خطورة سيطرة نقاش الحرب الأهليّة في المخاوف الأمنيّة التي يثيرها وحسب، بل في النقاشات الأخرى التي يغلقها. فحين تُقرَع طبول الحرب، يخفت صوت العدالة، سواء كانت عدالةً اقتصاديّة أو عدالةً لضحايا انفجار دمّر العاصمة. ربّما، من أجل ذلك، تقرَع اليوم طبول حرب لن تقع.

«المجد لكاتم الصوت»

لقمان سليم الخاين العميل المجد لكاتم الصوت حزب الله شرف الأمة طيف العماد مرّ من هنا جاييك دور بلا أسف

«لا في العير ولا في النفير»

إعلان حرب بين معسكرين ليسوا مقاومين شرفاء أو أعداء لدودين الشعوب التي قمعتها هذه الثنائية موقف «الرفضَيْن» وانتفاضة «الناس الضايعين» تأديبيّ في وجه هؤلاء الناس ينهي أيضاً إمكانية السياسة في المنطقة.