حسابات حكوميّة ملغومة

لم يكن من الممكن الفصل ما بين تطوّرات المشهد السياسي طوال الأيام الماضية، وما يجري على الساحة الماليّة.

فمن جهة، لم يعد من الممكن رصد الوضع المالي بمعزل عن سلسلة تداعيات حالة التسيّب المريعة، الناتجة عن الفراغ الحكومي وغياب السلطة التنفيذيّة. ومن جهة أخرى، بات من الممكن رصد مصالح الأطراف المختلفة وحساباتها، من خلال الاصطفافات والاستقطابات التي بدأت تتكشّف مؤخراً.


عودة الحريري: الإخراج الركيك

ما إن بلغت الأزمة الحكوميّة عنق الزجاجة، وبات الحريري قاب قوسين أو أدنى من الاعتذار، حتّى انكشف للعيان درجة تمسّك رئيس مجلس النوّاب به كرئيس مكلّف. لا بل بدا واضحاً أن برّي سيذهب بعيداً للقتال دفاعاً عن تكليف الحريري حتّى الرمق الأخير. أعاد هذا المشهد الحريري إلى الوضعيّة التي كان عليها في أولى أسابيع الثورة، يوم تصاعدت الضغوطات الدافعة باتّجاه استقالته، وتبيّن أن الثنائي الشيعي متمسّك بوجوده في السلطة، أكثر من تمسّكه هو بالذات بمركزه.

بالتأكيد، لم يكن اجتماع دار الفتوى والحصانة السنيّة التي أسبغها الحريري لعودته إلى مشهد التشكيل والتأليف سوى إخراج مذهبي هامشي، من النوع الذي يخرجه من جعبته عند اللزوم، ليبعد عن نفسه صبغة الزعيم الهش المعوّم من قبل برّي. لكنّ بصمات برّي كانت واضحة للعيان، وخصوصاً عند إعطائه الحريري مرتبة المكلّف الذي لا يوجد بديل عن تكليفه.


برّي والحريري: وراء الأكمة ما وراءها

تمسّك برّي بالحريري بات أبعد من مجرّد حسابات النكاية بالعهد وبباسيل.

ها هو الحريري أمام بري، حاملاً نفس المظلّة السياسيّة السميكة التي تحمي حاكم مصرف لبنان٬ ومن خلفه، شبكة لا يمكن حصرها من المصالح والحسابات الماليّة.
وها هو يشاطره نفس الرؤية في جميع الملفات الماليّة، وخصوصاً تلك التي تمسّ بالمصالح العميقة في النظام المصرفي، أو التي قد ترتبط بشروط يمكن أن يفرضها الخارج وتمس بهذه المصالح.

لن يخطر ببال برّي حتماً المساومة على موقع ثمين كموقع الحريري، الذي يشاركه الطينة والخريطة الجينيّة نفسها. ولن يغامر الرجل حتماً بعودة شبح حكومة يمكن أن تشبه حكومة دياب، أي حكومة قد يغلب على تركيبتها بعض الاستشاريين التكنوقراط الذين يمكن أن يجرؤوا على الابتعاد في مواجهتهم مع سلامة، أو على الأقل محاولة صياغة خطة ماليّة أخرى جديدة لا تتناسب مع مصالح اللوبي المصرفي. وبالتأكيد، لن يعطي بري هدية كهذه لباسيل، مع علمه المسبق أنّ باسيل سيجد في هذه التركيبات فرصة لا تعوّض للانقضاض على سلامة وما يمثّله.


باسيل: حسابات ملتبسة

تلتبس حسابات باسيل وتختلط، ما بين الشخصي البحت، ودوافع إعادة صياغة توازنات النظام بشكل مختلف.

إقصاء الحريري كفيل بعودة باسيل إلى المشهد متصدّراً خطة التصحيح المالي، مع كل ما يفتحه ذلك من أبواب مساومة ومقايضة مع العواصم الغربية٬ على مشارف استحقاقات الانتخابات النيابيّة والرئاسيّة.
وإقصاء الحريري يفتح أبواب تصفية حسابات كثيرة بين باسيل وخصومه، بدايةً من رياض سلامة نفسه، وصولاً إلى التضييق على مصالح وحسابات غريمه المضمر نبيه برّي.
وأهم ما في الأمر، إقصاء الحريري هو توسيع لرقعة نفوذ باسيل نفسه في الحكومة المقبلة، مع ما يضمنه ذلك من مصالح تهم باسيل في مرحلة التفاوض مع الخارج، وخصوصاً في ملفات كالكهرباء والتشكيلات القضائيّة وغيرها.


باختصار، العلاقة ما بين النزاع الحكومي ومتغيّرات الوضع المالي علاقة تفاعليّة، ثنائيّة الاتجاه.

فالفراغ والمراوحة الحكوميّة لا يعنيان اليوم سوى الإمعان في حرق آخر مقوّمات صمود المجتمع اللبناني في ظل الأزمة. والنزاعات على المراكز والصيغ الحكوميّة لا ترتبط بتوازنات وحسابات الطوائف فقط، بل بمصالح زعمائها وحساباتهم في المرحلة المقبلة. مع العلم أنّ ما من شيءٍ يضمن إنجاز الاستحقاقات الدستوريّة المقبلة في موعدها، ما يعني أن ولاية الحكومة المقبلة قد لا تقتصر على الفترة القصيرة المقبلة قبل إجراء الانتخابات النيابيّة.

بكرا الناس بيتعوّدوا

عنوان المرحلة بالنسبة إلى خندق يمتدّ من جمعيّة المصارف إلى لوبيات المجلس النيابي وبينهما سلامة لوائح جديدة من وزير الصحّة موعد مجيء الفيول العراقي باخرة المازوت التي تجاهد منشآت النفط لتفريغها مصير خطة الكهرباء الإنفاق من الاحتياطات خارج أي سياسة متفق عليها مع الحكومة التفاؤل الساذج جزءاً من تطبيع البؤس الذي نعيشه، وجزءاً من التعوّد على الانهيار وكلفته

حكومة الحريري: غير المأسوف عليها

بعد اعتذار الحريريففي ميزان توزيع خسائر الانهيار، قد يكون فراغ السلطة التنفيذيّة نفسه أفضل من إعطاء الفئة المهيمنة على النظام المالي سلاحاً إضافياًأجندة جمعيّة المصارفلا داعي للأسف على تشكيلة الحريري وتكليفه