حسّان دياب فعلاً لا قولاً

بُعَيْد تكليفه رئاسة الحكومة في 19 كانون الأول 2019، ألقى حسان دياب كلمته الأولى في الباحة الداخلية للقصر الجمهوري. هناك، وقبل 39 يوماً على الجلسة النيابية لإقرار موازنة حكومة الحريري التي أُسقِطت في الشارع، توجّه إلينا بالقول:
من موقعي كمستقل، أتوجّه اليكم بصدق وشفافية، أنتم الذين عبّرتم عن غضبكم ووجعكم، لأؤكّد أنّ انتفاضتكم إعادة تصويب للحياة السياسية في لبنان، وأنكم تنبضون بالحياة ولا تستسلمون لليأس، وأنكم أنتم مصدر السلطات فعلاً لا قولاً… كنت أشعر أنّ انتفاضتكم تمثّلني… هذه الأصوات يجب أن تبقى جرس إنذار… إنّ التمسك بالحريات العامة هو صمّام أمان لحماية ورشة الإنقاذ، وإنّ أي سلطة لا تحتكم للشعب هي سلطة منفصلة عن الواقع.

في الشكل، طفحت كلمة دياب بعبارات مُستهلَكة وبليدة، مُستقاة من عالم الإنشاء المدرسي (وجع، غضب، نبض الحياة، عدم الاستسلام لليأس، جرس إنذار، صمام أمان، ورشة إنقاذ)، وقائمة على تغييبه الدائم للفاعل: من سبّب وجع الناس؟ ومن وراء غضبهم؟ أمّا في المضمون، فشدّد دياب على استقلاليته السياسية عن السلطة الحاكمة، وادّعى أن الانتفاضة (لم يسمِّها «الحراك») تُمثلّه، وأكّد أنّ 17 تشرين الأول يشكّل قطيعة مع الماضي، كما ذكّرنا بأنّه ينوي الاحتكام إلى الشعب مصدر السلطات.

هذا كان القول. أمّا الفعل، فجاء سريعاً ونقيضاً تامّاً لكلّ ما تفوّه به، وبثقة مذهلة، حينها. لا ضرورة لإعادة تذكيره بأنّ حكومة الوكلاء التي شكّلها نسفت فكرة الاستقلالية السياسية التي طالبت بها الثورة، وعاد بنا ركنها الأمني (وزير الداخلية)، إلى عهد النظام الأمني السوري- اللبناني المشترك (ما قبل 2005). لا داعي لتذكيره أيضاً بأنّ توزير المستشارين الاقتصاديين لأركان السلطة ومدراء البنوك إهانة مباشرة لكلّ من ثار على السياسات المالية للنظام. ولا داعي لتذكير مَن يرغب بقيام دولة القانون بالتشبيح أمام مجلس الجنوب. لا داعي لكلّ ذلك. فالمفارقة ما بين المشهد داخل المجلس وخارجه يوم أمس تتكفّل بنزع الشرعية الشعبيّة التي استجداها وأراد التستّر بها عند تكليفه… فهو يتبنّى موازنةً أقرّها سلفه، واعترض الناس عليها، بينما الأجهزة الأمنية تعنّف المحتجيّن على انعقاد الجلسة، ضاربةً بعضهم ومعتقلةً بعضهم الآخر.


خلخلت الثورة كلّ الادّعاءات التمثيلية لثالوث النظام السياسي- الاقتصادي- الإعلامي. أظهرت الهوّة التي تفصل بين مصالح الناس ومصالح نوّاب الأمّة؛ بين دعاية «مصرفك مدى الحياة» وحقيقة حجز أموال صغار المودعين؛ بين دولار الدولة ودولارات السوق؛ بين كلام الناس الصادق والمباشر وإعلام تلميع صوَر السياسيين والمصرفيين. أقرّ دون كورليون الجمهورية الثانية ضمنياً بذلك عندما اعترف بأنّه عمل السبعة وذمّتها لعقد جلسة الموازنة، متمنّياً على النوّاب عدم مغادرة المجلس لعدم ضمان قدرتهم على العودة إليه.

رغم ذلك، يدّعي حسان دياب تمثيلنا. وبينما تُمثّل قواه الأمنية بالمعتصمين، يردّد وزراء حكومته ببغائيّاً أنهم لن يُكثروا من الأقوال ليتفرّغوا إلى الأفعال، مناشدين الناس بإعطائهم مهلاً وفرصاً قبل الحكم عليهم. وإن مثّل دياب شيئاً، فهو اهتراء نظام لم يعد باستطاعته ردم الهوّة التي تبعده أكثر فأكثر عمّن يدّعي تمثيلهم، فلم يبقَ له سوى الاتكّال على تشييد الأسوار وبطش أذرعه الأمنية. ولكنّ الدكتور دياب لن يدع كلّ تلك التفاصيل تثبط من عزيمته، فقرّر افتتاح ورشة الإنقاذ الوطني بتمثيلية ميلودرامية شفافة من الدرجة الخامسة عنونها: خلّي كهربة السرايا عليّي شريك.