حفل بعلبك: وداعٌ وقَدَر

نمتُ السبت على خبر انتحار أكثر من شخص وأخبار سرقات ونشل، ووداع عائلة وأصدقاء التحقوا بقافلة المهاجرين أو مقدِّمي طلبات الهجرة، واستفقتُ الأحد على مقالتين، واحدة تنعى لبنان ومسيحيّيه والثانية تنعى هذا الشرق برمّته. وما أن حلّ المساء حتّى جاء الحفل الذي أقيم في المعبد الروماني في بعلبك ليزيد الأمور غرابةً.

فالاحتفال الذي لم أكن لأشاهده لو لم أكن واحداً من المحظوظين الذين لم تنقطع عندهم كهرباء المولّد بسبب الغلاء والشحّ في المازوت، جاء بمناسبة مئوية إعلان دولة لبنان الكبير الذي كان أوّل نتاج للمسيحية السياسية وتحالفاتها بعد إدراكها ضرورة بناء دولة بالشكل الحديث بعيد انهيار الامبراطورية العثمانية.
لكنّ الاحتفال أتى على شاكلة حفل وداع حزين ومهيب لشيء مضى أكثر منه احتفالاً يوبيلياً لشيء مستمرّ. كما أنّ الحفل الذي حمل عنوان «صوت الصمود» سيكون الأوّل والأخير هذا العام ضمن مهرجانات بعلبك الدولية، وكأنّ للعنوان تكملة غير معلنة تشير إلى صدى هذا الصوت الذي كان في يوم من الأيام صامدًا.

لم يكن الحفل أكثر من استعادة أرشيفية لتاريخ المهرجانات على وقع ريبيرتوار الرحابنة، وهو نفسه الفولكلور المعتاد والمكرّر بعد كلّ أزمة، من قطار السلام في التسعينيات الذي يعبر الحدود بين المناطق ليعيد وصل بعضها ببعض إلى الكاهن الذي يعانق الشيخ على درج المتحف…
حتى إطلالة رفيق علي أحمد «صارخاً» كلاماً لجبران (خليل جبران)، بدا فيها وكانّه يحاول بالقوة أن يرسّخ أمراً ما ويتمسّك به رغم معرفته بأنّه قد زال. فبدل أن يتنبّأ بالمستقبل كما يوحي وشاحه النبوئيّ الأسود، جاء يترحّم على الماضي. المصادفة هي أنّ هذا المشهد يؤكّد كلام فداء عيتاني في مقاله الذي ينعى لبنان ومسيحيّيه:

في الماضي القريب كان الفن والغناء بمساعدة المسرح والشعر والقصة، يتولّون ترسيخ أسطورة تأسيس لبنان، ويدافع عنها الإعلام المسيحي وتحميها مؤسسات عدة، باتت اليوم الأسطورة مزحة أقرب إلى الكابوس بعد أن كرسها ميشال عون بعبارة «شعب لبنان العظيم» وطعّمها بشعار «الشعب الطز».

افتتح الحفل بمقطوعة المؤلّف الألماني كارل أورف «يا للقدر» (O Fortuna) التي وضع موسيقاها لشعر من العصور الوسطى يتحدّث عن الصراع مع حُكم الآلهة والمصير الذي لا يرحم، وكأنّ هذا النشيد هو الموسيقى التصويريّة للفيلم الذي نعيشه في لبنان في صراعنا مع آلهة الحُكم.

استعدت وأنا أستمع إلى المقطوعة مشهد المعمودية من فيلم «العرّاب»- الجزء الأوّل (فرانسيس كوبولا 1972)، والتوليف المتوازي البديع الذي يرينا العراب مايكل كورليوني وهو يمسك ابنته في الكنيسة أمام الكاهن ليعمّدها، يرسم إشارة الصليب بكلّ تقوى وإيمان قائلاً: أنا أنبذ الشيطان، في الوقت نفسه الذي يقوم فيه أفراد عصابته بتصفية وحشيّة لكلّ أعدائه ومعارضيه.
شعرت في مكان ما أنّ هناك زعيماً لبنانيّاً يستمع إلى المقطوعة نفسها بتأثّر وشجن بينما يقوم رجاله بالإجهاز علينا واحداً تلو الآخر من دون أن يرفّ له جفن لأنّه لا يرى نفسه مجرماً وفاسداً، بل هو مقتنع بضرورة أن يتمّ الأمر من أجل مصلحةٍ أسمى.
لكَم تمنّيت لو أنّ السينما والخيال يعيدان لنا جزءاً ممّا خسرناه، ويُشعران هؤلاء بشيء من مرارتنا، فيسمعون نفس المعزوفة لكن في المشهد الأخير من الجزء الثالث من «العرّاب»
(فرانسيس كوبولا 1990) حين يطلق العرّاب صرخته الأخيرة.