خطّة سعد الحريري

لا يملك سعد الحريري خطّةً لنا. ولنبسِّط الأمر، فلنقل إنّ الـ«نا» تعود هنا إلى الأكثرية الساحقة من الناس. أولئك القابعون بلا عمل، أو الذين فقدوا أعمالهم خلال موجات الصرف الأخيرة، أو الذين باتوا يتقاضون نصف رواتبهم. أولئك الذين انخفضت القدرة الشرائية لمداخيلهم، أو الخائفون على تعويضاتهم ومدّخراتهم.

لكنّ سعد الحريري الذي لا يملك خطّةً لنا، يملك خطّةً لهم. ولنُبسِّط الأمر هنا أيضاً، ولنقُل إنّ الـ«هم» تعود إلى معظم الطاقم السياسي ومَن يدور في فلكه مِن متعهّدين وسماسرة، وإلى كبار المودعين والمستثمرين، والمصارف.

فالأزمات الاقتصادية تجلب عادةً الكوارث على عموم الناس. لكنّها ليست كارثة على الجميع. إنّها، على العكس، قد تكون فرصة لرأس المال الباحث عن أرباح وسط روائح الخراب. وهي أيضاً فرصة للسماسرة الذين يتيحون مثل هذه الأرباح.

لذلك، حين نتحدّث عن أزمةٍ تصيب الاقتصاد، علينا أن ننتبه أنّ لا «شيء» على أرض الواقع اسمه «الاقتصاد». ما من «اقتصاد» سيُصاب بالدوخة ثمّ الانهيار، بل هناك مؤشّرات يقيسها الاقتصاديّون، وحين تنهار هذه المؤشّرات، هناك مَن سيدفع الثمن. لكن هناك أيضاً من سيستفيد من هذه الانهيارات، وبطريقةٍ أو بأخرى، سوف يقبض الثمن.

ما يحدث من صراعاتٍ بين أهل السلطة، وما يُجريه الحريري من نقاشات مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، يدور بالضبط حول النقطة الثانية: مَن سيقبض الثمن. أمّا النقطة الأولى، فهي خارج النقاش لأنّ ما من أحد معنيّ بين حكّامنا ولا في المؤسّسات الدولية بذاك «المواطن العادي» ومعاناته. وفي أفضل الأحوال، سيجد الحريري مانحين دوليّين قد يقرضوننا المزيد من الدولارات مقابل شروط تسهم في المزيد من الإرهاق للفئات الشعبية. الحريري يعرف ذلك. ومن يتمسّك بعودته إلى رئاسة الحكومة يعرف ذلك أيضاً.


لا يملك سعد الحريري خطّةً لنا، وهو الشريك الأساسي في وصول البلد إلى أزمته. فهو من الذين وضعوا ودافعوا عن السياسات الاقتصادية الراهنة، واعتبر أنّ تشابك العلاقة بين الدولة والمصارف هو من الثوابت التي أرستها الحريريّة، وهو ممّن استفادوا من عطايا مصرف لبنان، وهو الذي يقف وراء شبكةٍ من المتعهّدين والسماسرة الذين شكّلوا المفاصل الأساسية لماكينات الفساد.

أمّا خطّة الحريري لهم، فهي مزيد من الأموال. مزيد من المشاريع التي يتولّى تقاسم أرباح تنفيذها مع متعهّديه. مزيد من الخصخصة التي يستولي من خلالها على قطاعات مربحة أو يحقّق نسباً عالية من العمولات لدى بيعها. مزيد من الدعم للمصارف ومزيد من الاستفادة الشخصية من خدماتها. وفي المقابل، سيكون هناك مزيد من الضرائب التي تُجبى من عموم الناس، ومزيد من الموظّفين الذين سيخسرون وظائفهم.


منذ 2005، أي قبل 14 عاماً، وسعد الحريري موجود معنا، إمّا كرئيس حكومة وإمّا كجالس في غرفة الانتظار ريثما يعود إلى رئاسة الحكومة. فإذا لم يكن الحريري في السرايا، فليس لأنّ الحريري لا يصلح لهذا الدور، بل لأنّ الظروف لا تصلح للحريري.
الآن، وبعدما تحوّل الحريري إلى «الزعيم السنّي» المفضّل لدى حزب الله، تبدو كلّ الظروف لصالحه. حرّكت وزيرة داخليّته، ريا الحسن، قوى مكافحة الشغب، فتضافرت جهودها مع جهود حرس المجلس النيابي لقمع المتظاهرين. وكلّما ارتفعت حظوظ الدعم المالي الخارجي، كلّما ارتفع منسوب القمع. وهي معركة طويلة قد لا تكون الأزمة الاقتصادية أسوأ مراحلها، بل ربّما كانت سياسات الخروج من الأزمة هي الأسوأ الذي لم يأتِ بعد.

الحكم من خلال الأزمة

حسمت دار الإفتاء الخيار «السنّي» عدم المسّ بتحالف المصارف الأزمة ليست عائقًا أمام السلطة توسيع حالات الاستثناء والاستنسابية عصابة تحاول تهريب ما يمكن إنقاذه مهزلة الاستشارات لا حكومة ستحكم بعد اليوم

الفراغ هو الحكومة الجديدة

المماطلة هي جزء من منظومة الحكم تصريف الأعمال هو الخيار الأفضل التهرّب من تحمّل مسؤولية الانهيار تقضي على أي حق مكتسب القيود على أموال الناس أكبر عمليات النهب الأزمات ليست نقيضة للرأسمالية تؤسس لنظام جديد