خلّيكن بالبيت، خلّيكن ساكتين

لم ينتظروا نهاية الحجر المنزلي.
تخلّت الشاشات ومشاهيرها عن توبيخ الخارجين من بيوتهم إلى تأنيب الخارجين على السلطة التي تحميهم من الوباء ومن تداعيات الإفلاس في الآن نفسه.
سبقت الشاشات صورة الفوتوشوب لوزير الصحّة، لتنتقل سريعاً من «خلّيكن بالبيت» إلى «خلّيكن ساكتين».

البلا مُخ هم أنفسهم النقّاقون.

رئيس حكومة لا يريد شيئاً لنفسه. لا يريد إلا تصفيق وزرائه الذين يظهرون على الشاشات، واحداً بعد الآخر، ليستعرضوا أوادميّتهم. واحدٌ يطلب من الإعلاميّ أن يعذر له مثاليّته، وآخر ينظر إلى الكاميرا ليقول: أنا آدمي. إي آدمي. يبتسم لهم الإعلاميّ بازدراءٍ مكتوم، قبل أن يتبادل وإيّاهم عبارات المديح.

البلا مُخ هم أنفسهم النقّاقون.

القائد الحنون الذي هدّد صغار المودعين حين نزلوا إلى الشارع، عاد ليعطف عليهم، رافعاً إصبعه على شاشةٍ تنقلها شاشة ليطالب بحقوقهم. ولأنّ أحداً لا يحبّ أن يُغضِب القائد أو أن يشتعل حنانُه كخزّان بارود، قام رئيس جهاز أمنيّ تنتخبه الشاشات نفسها «رجل العام» في كلّ عام، بترك مهامّه الأمنيّة ليطرق باب مصرف لبنان، طالباً من الحاكم أن يترجم عطفَ الأب القائد إلى أفعال.

الحاكم، بدوره، نذر نفسه للخدمة العامّة. بعد ثلاثين عاماً من تربّعه على العرش، أعطى من وقته ليشرح لنا من شاشةٍ إلى شاشة إنّ كلّ ما يملكه يعود لما ورثه عن أهله، ولتعويضاته من القطاع الخاص الذي آثر أن يتركه خدمةً لبلده. لم يرفض الحاكم طلب القائد: كلّ من لديه خمسة ملايين ليرة سيأخذها سبعة أو ثمانية، ابتداءً من الغد. الشرط الوحيد ألا يرى المصرف وجهه بعد الآن. ألا يأتي ليزعج الموظّفين طالباً مئة دولار من هنا، ومئة ألفٍ من هناك.

أصاب الإجراء الأخير رئيس جمعيّة المصارف بالحزن. فهو من مُحبّي صغار المودعين، تبرّع لهم بستّة ملايين دولار لمواجهة الكورونا، قبل أن يعلن أنّ كلّ ما تقوم به المصارف هو لحماية أموال المودعين.

البلا مُخ هم أنفسهم النقّاقون.

قلبُ القطاع الخاصّ عليهم، وقلبُهم لا يبالي. يظنّون أنّ مصالحهم مناقضة لمصالح أرباب العمل. لكن، ها هو كبير أرباب العمل، رئيس الهيئات الاقتصادية مجتمعةً، وقد هاله أن يرى عمّالاً وموظّفين لا يتقاضون أجورهم بسبب الحجر المنزلي، يطلع بحلّ سحريّ: اقبضوا أجوركم من أموال تقاعدكم في الضمان الاجتماعي.
صاحب أكبر مجمّع تجاري في بيروت أمضى نهاراً كاملاً يتدرّب أمام قارئ آليّ ليقنعنا أنّه لا يحقّ لأحد انتقاده لأنّ مئات الموظّفين الذين صرفهم قد تقاضوا تعويضاً. وهو نفسه نائبٌ من الطغمة الحاكمة السابقة التي يُقسم أنّه قد غادرها، وناشطٌ نشيطٌ في حملةٍ لمكافحة الفقر.

البلا مُخ هم أنفسهم النقّاقون.

على جسر الرينغ، يعرض عليهم البوليس الكمّامات والنصائح الطبية. لكنّهم لا يذكرون إلا المسيل للدموع، والرصاص المطاطي الذي فقأ عيوناً لم تُبصر لترى زمن الكورونا.
وفي شارع الجمّيزات في طرابلس حيث اعتقل الجيش متظاهرين قاموا بأوّل تكسير لواجهة مصرف، يعود الجيش للشارع نفسه ليمنع تظاهرةً تخرق هذه المرّة حظر التجوّل لتطالب بالعمل.

البلا مُخ هم أنفسهم النقّاقون.

أنفقت حكومة الإنقاذ اجتماعاتٍ واجتماعاتٍ تناقش مشروعاً اقتصادياً ما لبث وزير المال المستقلّ أن سحبه من النقاش لأنّه لم يُعجب سيّده الأعلى، ذاك الذي لولا الهاء، كاد أن يكون نبيّاً. حكومة الإنقاذ تعقد الآن اجتماعاتٍ واجتماعات تناقش مشروعاً اقتصادياً آخر يقوم على ابتداع طريقة خبيثة لتأمين خسائر المصارف من جيوبنا. طريقة تشبه ما باتت تنهبه من كلّ صفيحة بنزين بعد حرماننا من الاستفادة من هبوط أسعار النفط.

البلا مُخ هم أنفسهم النقّاقون.

المشاريع تأتي وتذهب. أمّا وزيرة الاستظهار، فباقيةٌ تتلو بياناتٍ تعرضها الشاشات نفسها، وقد حوّلها الحجر المنزليّ إلى إمبراطوريّاتٍ يتسمّر أمامها ستّة ملايين مواطن ومُقيم ليس أمامهم إلا التفرّج على ناهبيهم وقد تحوّلوا إلى مُحسِنين، وإعلاميّيهم وقد انقسموا بين بوليس ومخابرات.

يا صديقي، أيّها الفيروس، خُذْني للبلاد النائمة.

وباء المبشِّرين ونصائحهم

تعيير العاجزين عن «الاستفادة من وقتهم» في الحجر منذ سنة تقريباً، خرجتُ من حالة انهيار نفسيّ مديدة اقترح عليّ جميع المبشّرين الحلول البديهيّة نفسها كي «إنقبر إستحي عحالي» أما المعيبون، فهم ليسوا إلّا متنمّرين مُقنَّعين ضحاياهم غالبًا ما يرون في خطابهم السامّ الحقيقة المرّة عن أنفسهم

مجيء العقاب وسُبُل الخلاص في زمن الوباء

برفض جزء من الجمهور المتديّن لقرارات سلطته الدينية يفسح هذا المجال للكلام عن التعامل الأداتيّ للسلطة الدينية مع تديّن الناس وأولويّاتها السياسية أمّا في الحالة المسيحية الأرثوذكسية، فيتمّ تصوير الكورونا على أنّها جائحة تثبت بأنّ الربّ «يمتحننا في إيماننا»