خوف قوى التغيير من العمل السياسي

أتمّ «الربيع العربي» وحركات الاحتجاج الشعبية اللبنانية التي زامنته، عقدهما الأوّل. لا يمكن التحامل والقول إنّ ممارسات ومقاربات المحتجين في لبنان خلال هذا العقد لم تتغير. إلا أنها متغيرات تسقط، وبشكل مستمرّ، أمام السؤال السياسي والاشتباك اليومي والتكتيكي مع السلطة وأحزابها.

من هذا الباب يمكن الكلام عن أخطاء كثيرة وقعنا كحركات احتجاج فيها، تمثلت نقطة ارتكاز معظمها في عدم القدرة على تشكيل تحالف أو ائتلاف أو جبهة:

  • تتحول إلى لاعب سياسي في وجه أحزاب السلطة من ناحية.
  • تفرض نفسها قوّة تستطيع استقطاب الناس وتحويل الحالة الشعبية إلى حالة لها حيثيتها من ناحية ثانية.

فلم يعد من الممكن استمرار صيغة المواجهة بالشكل الذي كانت عليه سابقًا، لأن طبيعة معركة ما بعد الانهيار اختلفت كثيرًا عن تلك التي سبقته.


يمكن حصر أبرز المشاكل التي تواجه المجموعات باثنتين رئيسيتين تكملان بعضهما بعضًا:

  • حالة الارتباك التي تصيبها أمام أيّ تقاطع مع أي طرف من أطراف النظام، وعدم تمكّنها من تجييره في صالحها، وعطبها أمام خوض المواجهة على المستوى السياسي.
  • الخوف من قلب قواعد الاشتباك إلى مناطق هيمنة ونفوذ القوى الطائفية ومناطقها.

تتمثّل المشكلة الأولى بعدم استفادة قوى الاعتراض من أي تقاطع، حول أية قضية، مع أي طرف من أطراف المنظومة. فتسارع إلى التصرف وكأنها في موضع اتهام وعليها أن تبرئ نفسها منه، مخافة أن يتمّ الهجوم عليها من لاعبي السلطة الآخرين الذين يمارسون أسوأ أنواع الانتهازية والتحالفات المصلحية.

لعب هذا التقاطع الدور الأساس في إسقاط حكومة الحريري في تشرين 2019. ومع الاستقالة التي سحبت قوى النظام من خلالها الفتيل من الشارع، لم تسارع قوى الانتفاضة إلى البناء على تقاطعات جديدة، تعمل من خلالها على تحويل الزخم الشعبي باتجاه اسقاط يطال رئيس الجمهورية (سقطت قوى 14 آذار في المأزق ذاته سابقًا– على الرغم من اعتراض البطريرك على هذا الطرح يومها).

الخطأ نفسه عاد وتكرر منذ عدة أسابيع، عندما كانت الظروف ملائمة، والتقاطع على أشدّه بين قوى الانتفاضة والمزاج الشعبي وبعض أحزاب السلطة، لناحية إسقاط عون، أو أقلّه إعادة فتح باب هذه المعركة.

حدث ذلك حين تجدّدت حركات الاحتجاج منتقلةً إلى مناطق نفوذ أحزاب القوات والكتائب، وما كان يمكن أن تشكله من حائط سد في مواجهة الخطاب الطائفي الذي قد يعتمده تيار عون للدفاع عن نفسه. أضف إلى ذلك الاحتجاج في مناطق نفوذ حامي النظام والمدافع الأول عنه، وحليف عون وحامي عهده، أي حزب الله، في البقاع وفي الضاحية الجنوبية لبيروت وفي بعض مناطق الجنوب.

جفلت قوى الانتفاضة أمام هذا التقاطع، ولم تسارع إلى اتخاذ القرار الذي يمكّنها من أن تستثمره لتحقيق أحد أبرز شعاراتها. فما كان منها إلا أن وجّهت تظاهراتها إلى أمكنة وشعارات أخرى. وكأن التقاطع على عنوان ما، قضية ما، ولو بمنطلقات وسياقات مختلفة عن منطق وسياقات وأهداف السلطة، هو مسّ بـ«طهرانيّة الثورة» وانزلاق إلى «وحل النظام» وقواه، وتشويه سموّ وتعالي ورفعة وأخلاقية ونظافة «الثوار».

كذلك لم تمتلك هذه القوى القدرة على تجيير هذا الضغط المستجدّ مناطقيًا، وتحويل الاشتباك إلى رافد جديد من روافد الانتفاضة، لا سيما لناحية إنهاك النظام والتوغل في مناطق نفوذه. فالجرأة على اتخاذ قرار الاشتباك، والدعوة إلى التظاهر داخل الأحياء، بهدف تشكيل نوع من الحماية للمنتفضين، وخلق جسور جديدة للتواصل معهم، غابت عن المشهد تمامًا، ما كشف ظهر المحتجّين وسهّل آلية الاستفراد بهم.


أعاد كلّ ذلك الكرة إلى قوى النظام التي استفادت، ولو جزئيًا، في تعويم نفسها من خلال شدّ العصب المذهبي الذي شاهدناه في الأيام السابقة على مستويات عدة. وارتدّ هذا التلكّؤ في اتخاذ القرار لدى الانتفاضة بشكل سيّئ، فأوقعتنا كقوى اعتراض، ومن جديد، أمام الخطأ نفسه الذي يتكرر كل حين والمتمثل في البعد عن البراغماتية الضرورية في المواجهة.

يدلّ ذلك على التقدير الخاطئ لآلية وكيفية المواجهة، وذلك لأن الانتفاضة، بما أنها ليست منظمة ولا تملك الجحافل الثورية، لا تستطيع مواجهة تحالف المافيات والميليشيات الحاكمة بطهارتها المفترضة، وليس بإمكانها إلا اللعب على التناقضات في الوقت الراهن، ومحاولة الاستفادة من هذه الممرّات للتوغّل في قلب النظام أكثر.

السؤال الذهبي في حالة كهذه هو: كيف نستفيد من التقاطع مع بعض قوى النظام، لمحاربة قوى أخرى منه بهدف اسقاطهما معًا أو بالتتابع؟

أن تكون في لبنان اليوم

انتظار الهجرةمضطرًّا للهجرةخط النهاية لوجودكحتمية الانهيارتزايد انقطاع الكهرباءهشاشة بقائكيهبط عليك من فوقالتأثير عليه وهمالتسوية التي تطبَخبصمت أو بتذمّرالسياسة باتت انتظار

الانحلال العام

سيتهاوى سعر الصرفسيرفع الدعمسيجتاح العنف الحياة اليوميةستنقطع الكهرباءالأزمات في صلب الرأسمالية، جزء من طريقة عملهاشرخ زماني أيضًانتبنّى منطق «اللا-حُكم»