خوف من البشر واطمئنان للعملة: يوميّات من عالم ما قبل الانهيار


خوف

وأخيراً نجح رالف بركن سيارته بعدما تحررت رقعة صغيرة بين سيارتين على الكورنيش. كان قد داخ من كثرة اللفّ ما بين تمثال عبد الناصر والمسبح العسكري بحثاً عن «صفّة» ما بين السابعة والنصف والثامنة صباحاً. شكر في قلبه ذلك المشّاء الذي قرّر إنهاء رياضته الصباحية وتحرير الرقعة التي شكّ رالف عليها قبل أن تحتلّها سيّارات أخرى متربّصة. فالكورنيش في ذلك الوقت كان بعيداً عن طراوة ساعات الصباح الأولى وهدوئها النسبيّ. كان أقرب إلى ساحة معركة أطرافها طلّاب الجامعة الأميركيّة وأهل المشي الصباحي المتنافسين بصمت متوتّر على «الصفّات». معركة تزداد حدّتها في الدقائق الأخيرة قبل بداية المحاضرات الأولى. شعارها، البقاء للأسرع والأوفر حظّاً.

دخل رالف الجامعة من بوّابتها البحريّة. أمضى معظم نهاره داخل حرمها. تنقّل بين قاعاتها والكافيتريا والوست هول. وأنهى نهاره كما بدأه. خرج من البوابة ذاتها. أدار محرّك سيّارته واتجّه شمالاً على الخطّ البحري. لم يحِد رالف عن ذلك الروتين خلال سنوات دراسته الجامعيّة. تعرّف إلى زملاء من مناطق وطوائف وطبقات مختلفة في زمن منح مؤسسة الحريري في العشريّة الأول بعد الحرب التي جعلت الجامعة أكثر تنوّعّاً. لكن عالم سنواته الجامعيّة بقي محصوراً بين كورنيش المنارة وشارع بلس. لم يغامر في الخروج عن تلك الجغرافيا الضيّقة. لم يرتَح لذلك. لم يطمئن للمحيط.

لم يكن رالف في روتينه هذا غريب الأطوار أو جباناً. لم يشكّل حالة فرديّة. كان هناك كثر مثله بين زملائنا وزميلاتنا. وليس رالف أصلاً إلّا شخصيّة مركّبة من ذلك السلوك الجماعي. لم يولد خوفه من الآخر معه. لم يذهب إلى مدرسة لقّنته تضاريس الجغرافيا الآمنة وتلك المعادية التي عليه تجنبّها أو على الأقلّ الإحساس بقلق ما عند مروره بها.

ولم تكن تصرّفاته نتيجة كبت لرغبات تخترقه. فلم تكن روحه ممزّقة بين رغبة بتجاوز الخطوط الحمر، كثالوث الدين والجنس والزعامة السياسية، والخوف من تبعات ذلك. بل كان مرتاحاً مع نفسه، ومع كيفيّة استشعار راداره مناطق الخطر والأمان. باختصار، كان متقبّلاً لأسر نفسه بنفسه التي لم يكن ينظر إليها على أنّها واقعة في الأسر.

لم يكن رالف القلق إلّا مواطناً عاديّاً في الجمهوريّة الثانية قبل دخولها حالةَ الاحتضار الطويلة.


اطمئنان

لم أعد أذكر كيف انتقلت بنا الأحاديث الصغيرة وغير المتّصلة إلى الكلام عن المصارف. ففي الجلسات المطوّلة بين الأصدقاء تتداخل المواضيع، ينقطع بعضها وتنسج خيوط جديدة من ملاحظات هامشيّة. شرحت لي يومها بإسهاب، هي التي تعمل في الخارج، عن حسنات حفظ المال الذي قد ننجح بادّخاره من عملنا في التعليم الجامعي في المصارف اللبنانيّة. استندت إلى بطاريّة حجج. بدأت بالإشارة إلى معدلّات الفائدة الخياليّة التي من المستحيل مضاهاتها، خاصّة إذا ما قورنت بالفوائد شبه المعدومة التي لا تغطّي حتّى نسبة التضخّم المالي السنويّة في الخارج. فالمال المدّخر في حسابات توفير دون مراكمة أي فوائد تذكر ينتهي به إلى الأمر إلى تآكل جزء من قيمته سنويّاً. لم تنتهِ الحجج دون الإشارة للمعاملة السلسة لموظّفي البنوك عندنا وإمكانيّة نسج علاقات معهم ممّا يسهّل المعاملات، مقارنة بجفاء وبيروقراطيّة موظّفي البنوك في الغرب. حصل ذلك قبل سنة الانهيار المالي الكبير.

لم تكن صديقتي غريبة الأطوار أو متهوّرة. لم تشكّل حالة فرديّة. آمن كثر – مقيمين ومغتربين، صغار المودعين وكبارهم – بوهم جماعي بإمكاننا تكثيفه بعنوانين: «مصرفك مدى الحياة» و1507 إلى الأبد. اتّضح لهم فيما بعد، كما يحصل عادةً بعد كلّ أزمة جديّة، أن الفرق بين حقيقة الأمور وكيف بدت لهم قبل الأزمة، شاسع. عشنا في عالم خيالي لعقود. عالم يحصد فيه رياض سلامة الجوائز دوريّاً لمكافأته على مهاراته الكثيرة. عالم تفرّخ فيه فروع للبنوك على كلّ مفترق طرق بسرعة الفطر البريّ. عالم يغرقنا بدعايات متواصلة عن بطاقات ائتمان ملوّنة ومنتجات منوّعة للعملاء الكرام وقروض ميسّرة لكلّ ما تشتهيه النفس. كلّ هذا كوم، والقناعة الضمنيّة بأن الـ1507 ستدوم، وتدوم وتدوم… كوم. في العقود الأخيرة، اخترق الحرّ حرمة فصل الشتاء أكثر من مرّة، وشهدنا تقلّص أيّام الخريف والربيع. كسر التغيّر المناخي تعاقب الفصول، وبقيت الليرة مستقرّة. فبدا سعر الصرف أكثر ثباتاً من عناصر الطبيعة.

لم تكن صديقتي المطمئنّة إلّا مواطنة عاديّة في الجمهوريّة الثانيّة قبيل دخولها بحالة الاحتضار الطويلة.


هيمنة

نجح نظام ما بعد الحرب، قبل الانهيار الكبير، بفصل السياسي عن الاقتصادي.

عملت أجنحته المختلفة على إنتاج هيمنة سياسيّة داخل جماعاتها الأهليّة بالارتكاز إلى تأجيج الخوف من الآخر كشعور سياسي يمكّنها من اكتساب شرعيّتها من خلال تنطّحها لمهمّة الدفاع عن وجود الجماعة ومصالحها. فالجماعة دائماً بحالة دفاعيّة. لا تعتدي على أي جماعة أخرى. لا تعرف إلّا المقاومة الدائمة والدفاع المشروع عن النفس.

فبركة الارتياب الحادّ من الآخر المتآمر الدائم على الذات ركن أساسي من آليّات عمل النظام: حقوق الطوائف، تخوين، فتنة المذهبيّة، سفارات، تهويل بالحرب الأهليّة، دواعش على الحدود، مأمورو أحراج بلا مسيحييّن، دواعش في الداخل، لاجئ- متآمر، نازح- عبء، وهابيّة قادمة، تمويل مشبوه، أعراضنا، منظمات غير حكوميّة، تعدٍّ على رموزنا ومعتقداتنا، مسّ بصلاحيّات الرئاسات الثلاث، تعرّض للمقامات، خطاب تحريضي مذهبي، إهانات، تحوم الشبهات حول، إرهاب، مشروع ليلى، خطّ أحمر، خلايا نائمة، أيادٍ خارجيّة… كلّ ذلك بارانويا سياسيّة.

ذعر عام ينتهي بمقايضة ذليلة يقترحها الأب- الزعيم: ولاء مقابل حماية. ففبركة البارانويا السياسيّة واستثمارها، من خلال استحضار ذاكرات الصراعات الأهليّة المتوارثة، يعودان بفوائد كبيرة على النظام. تُحوِّل رابطة المواطنة الأفقيّة والمبنية على المحاسبة إلى علاقة أبويّة عاموديّة. فيتحوّل الزعيم، حامي الجماعة، إلى وليّ أمر، والمواطن الراشد إلى ولد معال بكرتونة إعاشة من هنا ولقاح من هناك. فتقوم البارانويا السياسيّة، التي تضاعف تقوقع الجماعة على ذاتها، بقطع المجال أمام أي صلة سياسيّة ممكن عقدها على أسس المواطنة. فالقوقعة تفاقم البارانويا التي تغذّي بدورها الانقطاع عن الاتصال بالآخر الذي لا يأتي إلّا على صورة متآمر.

في مقابل السعي إلى إرساء هيمنة سياسيّة داخل الجماعات مبينة على الخوف من الآخر، نجح النظام بإرساء هيمنة جديّة على مساحة الجمهوريّة ترتكز إلى طمأنة المواطنين والمواطنات إلى الوضع المالي وقدرة النموذج الاقتصادي الذي أرسي بعد الحرب على الاستمرار. تسلّلت تلك الهيمنة إلى النفوس فاقتنعت بصلابة القطاع المصرفي وديمومة آليات عمله. لذلك عندما فتحت الفوائد العالية شهيّات كبار المودعين وصغارهم، لم يتزامن استثمارهم ما يملكون مع إحساس بأنهم يقدمون على مجازفة كبيرة، أقرب إلى لعبة قمار، قد تطيح بمدخراتهم كلها. اقتيدوا إلى النحر وهم مرتاحو البال. فالحاكم لم يكفّ عن طمأنتهم حتّى بعد انهيار الهيكل… الليرة بخير، ودائعكم بخير، لا داعي للهلع.

بارانويا في السياسة، ثقة في الماليّة. مفارقة تأسيسيّة لنظام الجمهوريّة الثانيّة قبل فقدانها لشرعيّتها في 17 تشرين وانهياراتها المتتالية. فبالرغم من تحذير بعض الاقتصاديّين من عدم قدرة النموذج على الاستمرار، وبالرغم من أن الكلام عن النهب والصفقات كان خبز الناس اليوميّ على مدى عقود، لم تستنتَج الخلاصات اللازمة. لم نتصرّف كأننا على حافّة الانهيار. لم نتحضّر له، على الأقلّ نفسيّاً. نجح فصل النظام للسياسي عن الاقتصادي بالتسلّل إلينا. فعشنا حالة نكران جماعي لتبعات النهب. أبقينا الكلام عنه في خانة الاستهلاك السياسي الذي لا يأتي بتبعات على أنماط الاستهلاك التي أعدتنا عليها وعلى سعر الصرف الثابت. تكلّمنا عن النهب المتواصل وائتمنّا المصارف على أموالنا. تكلّمنا عن الفساد المستشري، واختفاء الموازنات، وأخذنا قرضاً آخر. فصلنا النظام السياسي عن الاقتصادي. فصلنا الكلام عن الأفعال.


لم تكن 17 تشرين نجمتنا المضيئة التي اخترقت عقود عتمة متتالية، إلّا قلباً لتلك المعادلة. فأوّل ما فعلته إعادة وصل الاقتصاد بالسياسة من خلال إعادة القضيّة الاجتماعيّة إلى الواجهة وتسليط الضوء على الأذرع الماليّة والاقتصاديّة للأخطبوط الحاكم.

لعنت الخوف الذي فرّق الناس. وباشرت ربط الجغرافيا اللبنانيّة ببعضها، ووصل الناس ببعضهم، ولو اتّخذ ذلك طابع السياحة الثوريّة أحياناً. فتحت كوّة صغيرة في نظام البارانويا السياسيّة الذي انهال عليها بسرعة بهراواته الغليظة وتخوينه المتأصّل. لكنّ ومضاتها نجحت بإيصال رسالة قصيرة مشفّرة عن عالم آخر ممكن لا تسمّى فيه البارانويا واقعيّةً سياسيّة، والسياسات الاقتصاديّة القاتلة مصرفك مدى الحياة.

مــــــلــــــف
قلــق السيـاســة

يعاين ملفّ «قلق السياسة» تداخل عالم السياسة بعالم النفس، من خلال عدد من النصوص، ترسم معالم قلق جماعيّ.

أسئلةٌ لا ينبغي أن يطرحها الإنسان، طارق ابي سمرا
جدرانٌ تشفي، مارتين بجاني وهلا كرباج
الشارع بين المقاومة والانهزام، دارين أبو سعد
خوف من البشر واطمئنان للعملة: يوميّات من عالم ما قبل الانهيار، فادي بردويل
الانهيارُ على بُعد حائط، جنان نون
هذا ما جناه أبي (والنظام) عليّ، ريم منصور
ليس للصحراء هنا بداية ولا نهاية، فاطمة فؤاد
تناقضات الشخصية المتمرِّدة: قلق الجندر ومأزق الرجولة، مازن السيّد
أبي طريح فراش الموت: تحليل نفسي- نظري للطائفيّة، ناديا بو علي
رأس مال قلق، غالية السعداوي
عن بابٍ فتحتْه الانتفاضة ولم ندخله، سمير سكيني

تم نشر الملف في 10 نيسان 2021.


الشلل

دينامية تشبه دولابًا في قفص، يعدو فيه «الهامستر» حتى يصل إلى إعياء ناتج عن حركة دائرية تنطلق من نقطة لتعود إليها ذاتها دون أي تجديد

ميكانيزمات التأقلم: انتحارنا البطيء

سيقنعونكَ أيضاً أنّ كل هذه العادات السيّئة أفضل من عاداتٍ أسوأ منها. ولا بأس إن أكثرتَ من السكَّريّات، فهي أفضل من التدخين. ولا بأس إن أدمنت التدخين، فهو أفضل من الكحول. والكحول، مع أنّ كثيرَها مُضرّ، فهي أفضل من الحشيش، أو العكس (؟)