دولة الكارثة المحتّمة: سدّ مأرب في بيروت

هؤلاء المنخرطون مباشرةً في فعل الأذى قتلة لا شك، يجب علينا تبيّن أفعالهم الجرمية. إلا أنه لا يمكن للمسؤولية عن جريمة مرفأ بيروت أن تكون مسؤولية قانونية تنحصر بمقتضى تحقيق جنائي أو إداري في حفنة من الشخصيات المتورطة.

إنّ الدولة (وتفرّعاتها السلطوية في حالتنا) تحتكر تعريفاً إدارة المخاطر الكبرى، بل تحتكر السيطرة على عالم الأشياء الكبرى كلها: حركة الأموال والبضائع، حركة البشر، الحروب وآلاتها، العلاقة مع الدول، الموانئ، المطارات، السدود، الطرقات، الخ… لذلك تصبح الكارثة واقعاً لا مفرّ منه عندما تبلغ الدولة قاع الفساد والفشل. يحكي لنا التاريخ قصصاً تدلّنا على ذلك: سد مأرب مثلاً.

قبل حوالي 1600 سنة، انهار نهائياً سدّ مأرب في اليمن وسبّب فيضاناً عظيماً في ما كان يعرف بمملكة سبأ، أدّى إلى تحوّلات كبرى في الجزيرة العربية والمنطقة خلقتها الهجرة السكّانية والخراب السياسي- الاقتصادي.

لم يأتِ انهيار السدّ دفعةً واحدة، بل ظلّ لعقود يتعرّض للتصدّع من الحروب والظروف الطبيعية. لكنّ السقوط النهائي كان لا شكّ مدويّاً، فجرفت مياهه البشر والمنازل والأراضي الزراعية، كموجة صدمة عملاقة انفجرت في قلب بيروت.

بعد كلّ هذه القرون الماضية، تصلنا 3 روايات مختلفة عن 3 مواقع ومراحل مختلفة من انهيار السدّ:

أوّلاً، رواية السلطة:
تصف عهدها وعهد أحد ملوكها بأوصاف الازدهار والرخاء، عن حلم راود الملكة أو امرأة الوزير وتحقّق في المأساة: فئران (أو نوع آخر من القوارض) أكلت صخور السدّ، فانهار! وعن حلم ثانٍ رأت فيه برقاً شديداً يدمّر البلاد…

أسطورة الحلم هذه لم تكن يوماً سوى تغطية لما فعله الملك وقبيلته بأنهم فرّوا أو حاولوا الفرار من مأرب قبل وقوع الكارثة الكاملة. ولا شكّ في أنّ أحد أزلام عمرو بن عامر حينها قد أطلق جملة مشابهة لتغريدة زياد أسود الشهيرة: انتهت أعمال الشغب يا بختي… وأنا مسافر الليلة بيختي.

ثانياً، الرواية الدينية:
وهي، كما يُظهرها النص القرآني في سورة سبأ، تعتبر أن انهيار السدّ وما تلاه من أزمة زراعية وهجرة كبرى عقابٌ من الله على الفساد الذي عمّ مأرب «إلا فريقاً من المؤمنين»:

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ

يتحدّث النصّ بوضوح عن السيل وتحويله الأراضي الزراعية الخصبة إلى أراضٍ قاحلة ذات ثمار مرّة ونادرة. يتحدّث في باقي السورة عن الهجرة وتمزيقها النسيج الاجتماعي «كلّ ممزق».

ثالثاً، التحليل التاريخي:
هنا نرى عوامل عديدة أدّت إلى غياب الدولة عن مهامّها لتتشكّل مجموعة من الظروف جعلت الانهيار النهائي حتميةً كارثيةً. ومن هذه الظروف ما هو متعلّق بالغزوات الخارجية، أي الأوروبية والفارسية والحبشية، وكذلك بالنزاعات التي كانت تخوضها هذه القوى في ما بينها للسيطرة على الإقليم. ومع وقوع المنطقة اليمنية تحت سيادة هذه القوى الخارجية، كانت الدولة المحلية تنحسر شيئاً فشيئاً حتى الغياب.

لكنّ الانهيارات الجزئيّة المتتالية التي انتهت بالسقوط الكبير، أتت كلّها في مرحلة لاحقة لتحوُّل كبير في النموذج الاقتصادي المأربي. في أواخر القرن الرابع، تحوّلت الامبراطورية الرومانية رسمياً إلى الديانة المسيحية التي حاربتها طويلاً، وحرّمت بذلك كافة الشعائر الوثنية السابقة، ومنها حرق الموتى. إلا أنّ حرق موتى الرومان كان يدرّ أموالاً طائلة على الاقتصاد اليمني الذي يصدّر البخور للرومان فيحرقونه مع الجثث بكميات كبيرة تخفيفاً من روائح اللحم المتفحّم.

كانت مأرب مدمنةً على حفنة من «الدولارات» الرومانية مقابل البخور. فلمّا طار الزبون، طارت الدولة وطار السدّ ومعه عشرات الآلاف من اليمنيّين، ضحيّة إهمال الدولة الضعيفة. تتحدّث الروايات أيضاً عن تعاظم الغزوات على أطراف المملكة بموازاة انحسار دور الدولة، ممّا أدّى إلى هروب موظّفي الدولة من مواقعهم في صيانة السدّ.

أعيد بناء السدّ اليمني مرّات عديدة، آخرها في الثمانينيات من القرن العشرين، ولكنّه عاد منذ أيام إلى الفيضان في ظلّ الحرب الدولية على اليمن وانهيار شبه كامل للدولة التي تمزقّها الصراعات الإقليمية.

نحن هنا، لم ينهر فينا السدّ، بل انفجر المرفأ في وجوهنا. وهُم هنا، يغرقوننا في فئران مناماتهم الكاذبة. نحن هنا، إمّا نمزّقهم الآن أو أنّ مدناً وأرواحاً كثيرة منّا ستمزّقها الكارثة المقبلة لا محالة.

نحن المغتربين الذين لا ننام

منذ مجزرة بيروت، لا أنا مكان عليّ الهرب من صور هذا البركان منذ تلك اللحظة، وأنا أكتشف أشباح الماضي سجن مفتوح على سطوح باريس ومداخنها المطفأة وكأنّ الدخان أحالنا شظايا

تمارين على الغضب

أكبُت غضبي وأحوّله إلى حزن كلّ هذا الأسى ولم أغضب؟ كيف يغضب الآخرون؟ فهذا الغضب لا أريد التعايش معه وكلّ الذين عاشوا الحرب الأهلية اللعنة على لعنة طائر الفينيق