دولة المصارف ومجتمع المقاومة

هناك جهتان أساسيّتان حدّدتا معالم النظام اللبناني في زمن الجمهوريّة الثانية، أي إبّان انتهاء الحرب الأهليّة اللبنانيّة. هاتان الجهتان هما المصارف وحزب الله. والسمة الأساسيّة لكلتا الجهتين هي عدم خضوعهما لسلطة الدولة وقوانينها ومؤسساتها. لا بل عملت هاتان الجهتان على إخضاع الدولة ومؤسساتها وقوانينها لخدمة مصالحهما. ودأبت الجهتان على اتّخاذ قرارات تعني المجتمع ككلّ، لكن بعيداً عن رقابة مكوِّنات هذا المجتمع ومحاسبتها. فحزب الله يتحكّم بقرار الحرب والسلم وبالحدود، ويحدّد الخطوط الحمر للسياسة الخارجيّة اللبنانيّة. أمّا المصارف، وعلى رأسها مصرف لبنان، فتحدّد سياسة إعادة توزيع الثروة في المجتمع اللبناني، وتؤدّي دور المموِّل الرئيسي للدولة اللبنانيّة.

فلنعُد قليلاً الى ما قبل 17 تشرين الأوّل، وتحديداً الى 15 تشرين الأوّل. خلال استطراده في شرح أسباب الأزمة الاقتصادية التي يمرّ فيها لبنان، صرّح نائب الأمين العام لحزب الله، نعيم قاسم، أنّ المشكلة هي عند حيتان المال، المشكلة هي في الفوائد المرتفعة الموجودة في المصارف، المشكلة في عدم أخذ نسب أعلى على الفوائد التي يحصل عليها المودعون، أكانوا مصارف أو غير مصارف. ومن بعدها، أعلن أنّ الحزب لم يقرّر حتى الآن أن تكون له خطوات في الشارع، وإذا قرّر ذلك فقيادته تعلن الخطوات، ولا يستطيع أن يعلن أحدٌ نيابةً عنا بأننا سننزل إلى الشارع أو لن ننزل إلى الشارع.
في 17 تشرين، لم ينتظر المنتفضون قرار حزب الله وقيادته، فملأوا الساحات وقطعوا الطرقات وأطلقوا صرختهم في وجه السياسات والقرارات الاقتصادية الجائرة. وعلى الرغم من الفرصة التي أتاحتها الانتفاضة الشعبيّة لحزب الله للاستثمار في غضب الشارع من أجل إخضاع المصارف وتقويض رموز الحريريّة السياسيّة، اختار حزب الله التمسّك بسعد الحريري وحثّه على عدم الاستقالة. والمفارقة هي أنّ حزب الله لم يقرّر عدم الاستثمار في الانتفاضة وحسب، بل تقدّم جميع أحزاب السلطة في الدفاع عن النظام والعمل على إفشال الانتفاضة.

فموقف حزب الله من الانتفاضة يعكس أولويات الحزب. كان بإمكان الحزب أن يستغلّ الغضب الشعبي والانتقام من المصارف المطيعة لأوامر الإدارة الأميركيّة وعقوباتها. ولكنّ خطوةً كهذه كانت لتعطي المزيد من الزخم للانتفاضة الطامحة إلى إخضاع المصارف وإعادة توزيع الثروة وفقاً للإرادة الشعبيّة. وهذا ما لا يريده حزب الله. فمحاسبة المصارف وكسر احتكارها في تحديد توزيع الثروات قد يمتدّ الى محاسبة وكسر احتكار جهاتٍ أخرى، كتلك التي ترسم السياسة الخارجيّة وتتّخذ قرار الحرب والسلم. فالحزب، تماماً كالمصارف، يسعى لإخضاع المجتمع لإرادته وليس العكس. وكما سعى جوزيف طربيه أن تبقى المصارف العمود الفقري للاقتصاد اللبناني، وأن يكون الاقتصاد في خدمة المصارف وليس العكس، يطمح نعيم قاسم لتحقيق مجتمع المقاومة بحيث يكون المجتمع في خدمة المقاومة وليس العكس.

حتّى الآن، أي بعد مرور أكثر من شهرين على اندلاع الانتفاضة واستفحال الأزمة الماليّة، لم يتّخذ حزب الله قرار النزول إلى الشارع، بل اتّخذ عكسه. فخيار اللجوء إلى الشارع مشروع بالنسبة لحزب الله إذا كان هو وحده من يتحكّم بزمام الأمور. وهذا الشرط غير متوفّر حاليّاً مع استمرار الانتفاضة الشعبيّة.
بالنسبة لحزب الله، ليس خيار اللجوء إلى الشارع لإحداث تغييرٍ جذريِّ في النظام، بل لاستخدامه كأداة لتعزيز موقف الحزب عند عقد تسويات مع الأطراف الأخرى.

الاقتراح كفعلٍ سياسي

لكنّ «الاقتراح» قد يكون، في خروجه عن حدود الممكن، هو المطلوب اليوم: اقتراحات قد تفرز، واقتراحات قد تزعج، واقتراحات قد تنقلنا من لحظة «الثورة» الجامعة إلى لحظة الفرز السياسي…

من أزمة النظام إلى أزمة معارضيه

رسم حدود فاصلة بين قوى المعارضة نفسها النزعة الإصلاحية حركة إسقاط النظام الطائفي حصرها بقانون انتخابات جديد مالت لناحية حزب الله انعكست الانتخابات هزائم تتصدّر المشهد في ساحة رياض الصلح تأسيس جبهة سياسيّة مستقلّة متجانسة