دويلة محمّد فهمي

لبنان يعاني وضعاً اقتصادياً حادّاً وصعباً، بسبب عبء النازحين السوريّين

وزير الداخلية محمد فهمي، 15/07/2020

للإعلام دورٌ كبير لحضّ السلطة على الإضاءة على المشاكل

وزير الداخلية محمد فهمي، 08/07/2020

كلّ صحافي بحاجة للحصول على إذن مسبق من الجيش للتصوير

مديرية التوجيه في الجيش اللبناني، 10/07/2020

 

لمحمّد فهمي دويلته المرئيّة. الظلّ الموازي للدولة المحتضرة التي لم نعد نرى حتّى خيالاتها. ربّما لأنّ لا كهرباء في بلد العتمة، ولا ظلال لنهارات الحرّ الطويلة بين أكوام النفايات إلا الغبش. نكاد نظنّ أنّ موت الدولة، وحضور الدويلة، يكاد يكون واحداً.

لمحمّد فهمي دويلته المرئيّة. تعيش في ذاته المتضخّمة بالذكر العسكري. المرتدي لزيّ الحفلات، مستخرجاً إيّاه من لعبة المرايا. فالعساكر كالديكتاتوريّين والرؤساء النرجسيّين يحبّون المرايا، الوهميّة والحقيقيّة.

يُدهَش محمّد فهمي من نفسه، من ثقتها العالية، رغم أنّها قتلت شخصين بدم بارد. هذا ما أعلنه. وما أخفاه أكثر بالطبع. يرى نفسه في مرآة بيته، أو في حمّام الوزارة، لا فرق. هو يتفرّج فحسب إلى أناه العنيفة، النرجسية. المتمكّنة من عنفها. ماسكة أيادي الدويلة من كلّ جانب.

ربّما كان لمرايا الوزير مؤثّرات، تجعل منه بطلاً أسطورياً. حينها يرى دويلته إمبراطورية عظمى، تسمح له- إلى جانب صلاحياته في القمع والقتل والعنف- أن يتحدّث كرئيس وزراء وليس كوزير فحسب، له واجباته المحدّدة في القانون. فيحرّض من حيث يدري على الوشاية، طالباً من الإعلام أن يكون الذراع الأيمن للأمن والعسكر، ومؤكّداً تحوّل إدارة البلد إلى العسكر والأمن برعاية العصابة الفاشية. وليس طلب الجيش من الصحافيّين والإعلاميين أخذ أذونات مسبقة بالتصوير، إلا مكاشفة صريحة من فهمي ومنظومته، للشعب الجائع والخائف من موجة كورونا الجديدة، أنّ لا صوت يعلو فوق صوت الجزمة الأمنية.

لمحمد فهمي دويلة لها مرايا وعيون. فيها يستدلّ إلى نسخة غير مرئية من حسان دياب. لكنّها نسخة خبيثة، وممتلئة بفهمها لأدوات الإخضاع، كجزء من تركيبتها لمشروع الزعامة.

لا بد أنّ لمحمد فهمي، منذ تولّيه منصب عميد وصداقته مع علي مملوك وشغله مستشاراً أمنياً لمصرف، حلم على طريقة ضبّاط آخرين كحسني مبارك ومعمر القذافي وعبد الفتاح السيسي بأن يصبح زعيماً أوحد. يفكّ ويربط ويبطش ويقتل ويبيد ويهدّد وينذر. لهذا يرى في مراياه نسخة ممحوّة من حسان دياب. من دون مشط وتدليل للشعر. من دون شهادات أو دفاتر وكتب إنجازات.

ليس مهمّاً أن يكون للديكتاتور المعاصر شهادات أو خبرات في إدارة البلاد. تكفيه مرآته، وأناه الذكر، وبطركيّته وجزمته المرقّطة من أيّام العسكر، وبدلته القديمة التي لا بدّ أنّه يحتفظ بها مثل كلّ عسكريّ مخضرم. يشمّها كلّ يوم، قبل أن يخرج إلى دويلته، متذكّراً أنه جندي في هذه المنظومة.

لمحمّد فهمي دويلته المرئية. يعيد عبرها إنتاج المعرفة البوليسية. تلك التي ثبتت مخالب التنكيل والبطش، في تعاطيها مع ثورة 17 تشرين والناشطين/ات فيها، مستلهمة من حزب البعث أساليبها في القمع والاستدراج. وها هي اليوم تصنع خطابها الموازي. خطاباً يعلن ولا يضمر عنفاً وعنصريةً ضدّ السوريين الهاربين من آلة القتل الأسدية. يبثّ الكراهية ويشجّع على العنف الأهلي بين اللاجئين السوريين والمواطنين اللبنانيين، في ظل إخفاق حكومي وبرلماني ورئاسي في التعاطي مع الانهيار الكلّي للبلد. وهنا تكرّس هذه الدويلة وجودها العضوي، كامتداد لنظام البعث.

باستعادته هذا الخطاب، يجدّد فهمي مبايعته لبشار الأسد وامتنانه لمدرسة والده، وأربابه، وصانعي الخوف في سجونه وإداراته المدنية والعسكرية. فيبرهن عن نموذجه الموثوق، كبديل ربّما عن حسان دياب، التكنوقراطي المزيّف، ونجيب ميقاتي المموّل، وسعد الحريري الخاضع.

لمحمد فهمي دويلته المرئية، تلك التي ستفرد كل أدواتها وسكاكينها على رقاب البلد.

الدي. جي. صدّام حسين

ما دام الدكتاتور لا يشوَّه، فهو عظيم ومارد وأشبه بأسطورة صورة مركّبة لصدّام حسين، واقفاً كالهيبستر خلف آلة الدي. جي حين يعارض المثقّف العضوي «الميم» بوصفه لا يرتقي إلى الفنّ ماذا يمكن لصدّام حسين أن يضع من قطع موسيقيّة في سهرة؟

قرابين أوّليّة لسدّ سيادة الرئيس

أصبح السدّ رمزاً لأنظمة الاستقلال بشقَّيْها الأساسيَّيْن: استعادة السيادة الوطنية من المحتلّ، والتنمية الاقتصادية- الاجتماعية تتحوّل العونيّة في شيخوختها السياسية أكثر فأكثر إلى نسخة رديئة (كيتشية) من أدبيات الناصرية والبعث ففي المخيّلة الإمبراطورية، لا يتحقّق إنجاز إلّا بتشييدٍ ضخم يستطيع حاكم اليوم أن يأخد «سيلفي» ضمن نطاقه المهيب