رحلة على متن غيمة

من خلف الزجاج، راقبتُ الغيمة. تلصّصتُ عليها، ثمّ ابتعدت. لا أحد يعرف ما تحمله هذه الغيمة السوداء. قالوا إنّ فيها كاوتشوكاً وأوراقاً جمركيّةً وزيوتاً لقلي الباذنجان. لكن ربّما علقتْ فيها أيضاً فضلاتٌ من نترات الأمونيوم. لمَ لا؟ وقد وجدوا قبل أيّام أربعة أطنان إضافيّة كانت منسيّةً في إحدى زوايا المرفأ التي قيل لنا إنّ الجيش قد نظّفها. بدأت الغيمة تكبر، ويزداد سوادها، وبدأت تقترب من البلكون. وكلّما اسودّت أكثر، تبدّد خوفي أكثر، فلا أمونيوم طالما أنّ الغيمة بلا ألوان.

حين فتحت باب البلكون، وجدتُ نفسي داخل الغيمة. وأحسست لوهلة أنّي ابتعدت عن البيت، وصرت وحيداً في السماء. أنا والغيمة ولا أحد. تحتنا سيارات تغادر المدينة على عجل، وشبابيك من نايلون، ورجال بلباس كاكيّ، وأنا أطير داخل الغيمة تذكّرت فجأةً أنّي مصاب بالربو، وأنّي قد أموت داخل الغيمة. خمس سنوات أمضيتُها مع طسّاسة. أنهض من النوم وأشعر أنّي قد استهلكتُ نفسي الأخير. ثمّ أهدّئ نفسي قائلاً إنّه الربو. وإنّ لا داعي للقلق. خمس سنوات، وأنا أقنع نفسي إنّه الربو، وأحارب نوبات القلق بطسّاسة. لكنّي الآن، على متن هذه الغيمة، لا طسّاسة عندي. أنظر إلى تحت، فلا أرى إلا النيران. قلت لنفسي إنّ النيران لن تتوقّف. لديهم الكثير من الحطب. لقد قطعوا شجراً كثيراً ليبنوا السدود، وها هم يحرقونها الآن.

مددتُ يدي إلي جيبي أبحث عن محرمة لأمسح العرق المتصبّب منّي، فبدأ الدم يسيل من أصابعي. كانت هناك نثرات من الزجاج عالقة في البنطلون منذ الحريق السابق. كلّ شيء بدأ بحريق في الشوف، وبطوّافات لا تطوف. لمحتُ رجلاً بنظّارتين يصرخ تحت التعذيب: خذوني يا أبناء كوليت. أنا من سلّم المدينة للعدوّ. وكان هناك رجال عائدون من الحرب. هناك دائماً رجال عائدون من الحرب. كانوا يضحكون ويأكلون البقلاوة. وأنا أمسك الزجاج بيدي وأقفل قبضتي عليه حتى يسيل المزيد من الألم. قلت للقبطان روزوس صاحب الذقن الطويلة: أنظر. هنا حاكموا المغنّي. بعدما غطّس كبده بالجِنّ.

طلبتُ من الغيمة أن نغيّر اتّجاه الريح. فقال لي القبطان إنّ السفينة أرهقتها الحمولة، لكنّه سيحاول. هناك كانت نساء يفترشن الرصيف ويهربن من بقايا الكاوتشوك الذي بدأت تمطره السماء. يركضن بين الحانات المقفلة ويبحثن عن تذكرة للطائرة. إحداهنّ تمسّكت بشجرة. ذرفت دموعاً وهي تقول: هنا، هنا وجدوا أختنا مدندلةً بحبل. لكنّها لم تقتل نفسها. وأنا لا أريد أن أموت.

أشياء كثيرة لن نستطيع أن نعرفها، لأنّ الحكاية تقول إنّ لا أحد يعرف كيف خسر القرصان جون لونغ سيلفر ساقه اليسرى. تصوّر، يا روزوس، أنّ نادياً أرمنياً في حلب دعا سامي كلارك خصّيصاً كي يغنّي «جزيرة الكنز». كان ذلك قبل البراميل. البراميل التي لم نكن نعرف أنّهم يضعون فيها بعضاً من نترات الأمونيوم. هنا كسرنا زجاج المصرف. هنا أنشدنا الهيلاهو. وأنا الآن داخل الغيمة السوداء. لا تطأ رجلاي الأرض، ولا يسع جسدي أن يختفي مع الدخان. جسدي الذي بات عبئاً عليّ. أين سأحمله حين أخرج من هذه الغيمة، وأنا لم أخسر ساقاً، لكنّي خسرتُ مدينةً. خرجتْ إلى البحر، ولم تعُد.

القاضي والتدخّل المشروع: فرضيّات تدين حزب الله

ملف انفجار المرفأ سيتمّ طمسه«محسوباً عليهم»دور حزب الله الإعلاميتورّط الحزب بطريقة ماكان اعتداءً إسرائيلياًخطاب ضدّ «الفساد»، متمسّك بالنظامنزاهة التحقيقعدالة المتّهم الذي يصدر قرار الحكم على نفسه

القاضي المجهول والشامكس المهترئة

أظنّه مسيحيًا، لكنّني لست متأكدًا نبيه برّي واقف عمحطة الوردية يأخذ خوّات من الناس «عرقلة قانونية» موجودة في هوامش تلك النصوص الدستورية فهو مجرّد اسفنجة، خلقوها لامتصاص وسخهم ربّما كان على دياب التفكير جديًا بالهرب لعنةً تحوم فوق أي استرجاع لهذا النظام