رصاصاتٌ لا تزال في جيبي: سجنٌ مصريّ وحانةٌ تونسيّة

الطائفية كما الدكتاتورية تسقط في الخيال أوّلاُ 
علاء عبد الفتاح- مصر 2019

هذه كانت رسالتك لي من معتقلك ونحن في شهر الثورة الثاني. والآن، أتخيّلك متألِّماً في سجنك، مُضرباً عن الطعام مستوحشاً. ولكنّني أتخيّلك أيضاً عناداً علّمتَنا إيّاه في حماستك من الميدان ومن ثمّ في إحباطك وعجزك عن النطق، ثمّ في عودتك مراراً وتكراراً إلى اختراع المعنى والمحرّك كلّما استدعت الحاجة. متيقّن منك إصراراً يكرّ ويفرّ، ولكنّه لا ينقطع.

أعلم جيداً وعيَك التام بتجذّر الطائفية في العنصر الاقتصادي وارتكازها على الفجوة الطبقية. لكنّك كنتَ تخاطبنا نحنُ، نحنُ الذين ندّعي أننا نخوض معركتنا معها. 

كنتَ تذكّرنا، أنتَ والشارع معاً، بأنّنا نحارب الطائفية دون أن نكون قد تجاوزناها حقيقةً. أي دون أن نتعلّم فعلاً كيف نرى الآخر من خارج تلك الخريطة الشمولية القاتلة. القاتلة نعم، لأنّ أساسها الجريمة بحقّ الفرد، الجريمة الإلغائية.

لا أخفيك صديقي أنني حينها تشكّّكت قليلاً في العبارة: هل سنستسلم مجدّداً لحصر الصراع في الحقل الرمزي؟ لكنني منذ ذلك الحين، كنتُ كلّ يوم تقريباً، في الشارع وعلى الشاشة، أفهم رسالتك أكثر فأكثر. المشكلة ليست في التنميط بذاته، هكذا هو عقلنا، هكذا يعمل، بالخانات. المشكلة في كيفية التنميط، في مدى تصلّبه وفي شحّ تفصيلاته. كل صورة مركبة من مربّعات، المسألة في حجم هذه المربّعات- البيكسلات وولائها للمشهد.

وحده الخيال كان واقعياً في العلاقة مع الآخر، بين ليلة المصارف وغزوة الرينغ، بين التكبير وإسقاط الطائفية، بين ركوب «القوّات» واختراقاتها وثوريّي جلّ الديب والزلقا والأشرفية. وحده الخيال كان يحارب تدنّي جودة الصورة المنقولة في الماكينة الإعلامية العليا، يكسر مربّعاتها إلى مربّعاتٍ أصغر فتنكسر سرديّاتها الإجرامية العابدةَ الموت. 

وحده الخيال كان غير آبه بالسخرية. 


خسرتُ لسرطان المعدة رفاقاً أكثر ممّا خسرت للمعتقلات. للأسف يعتقد الناس أن التوتّر الدائم والسوداوية والحواجب المقطبة أمور ضرورية لتكون مناضلاً 
جلال بن بريك الزغلامي/ تونس 2011

سمعتُك تقول هذه الجملة في وجهك أيضاً، وهو يتخلّى للمرّة الأولى منذ ساعات عن تعابير البهجة، فيعود إلى وضعية الاسترخاء التي بدت حزينةً بكثافة، قبل أن تشدها بجرعة طويلة من البيرة المحلية ومن ثمّ بقهقهة ضخمة مثلك. قلتُ لنفسي، لماذا يحدّثني هذا المناضل النقابيّ العتيق، ابن جنوب عمّال المناجم بنفَسٍ برجوازي في حانة تونسية يملأها الدخان والضجيج؟ بهجة ماذا؟ العالم يحتضر يا رفيق، الكادحون مسحوقون يا رفيق.

أدركتُ لاحقاً أنني كنتُ من الذين تتحدّث عنهم، ولذلك شككتُ حينها في بهجتك. 
المسألة ليست في امتلاك ترف البهجة، المسألة في ألا نتخلّى عن توقنا إليها، ألا نتركها للمترفين. وإلّا فمن نحن؟ روبوتات حزن وثورة وغضب؟ أيّ ثورة تلك التي تبدأ بالخضوع للهزيمة العظمى؟

إن تمسّكنا بإمكانية البهجة المشتركة، ولو مؤجّلةً، مفتاح الخيال الثوري وجسرُنا إلى علاج علاقاتنا المتأزّمة بمجتمعاتنا المتأزّمة، انطلاقاً من الإقرار الصريح بتأزُّم ذواتنا أيضاً. جسرٌ في المحبة والغفران، في الخيال والعَمَل، يحمينا من مخاطر الانفتاح العشوائي على الآخرين في لحظات انفجار الصراع داخل المجال العام. 

لأنّ كثافة هذه اللحظات كثيراً ما تردّ الفرد خائفاً خائباً خاملاً إلى قوقعة من الرُّهاب تجفّف الطاقة الروحية الثورية من مكامنها. وهو أمرٌ لا شكّ تعيه السلطات وتعوّل عليه، إذ يكاد يكون سنّةً من سنن التاريخ الشعبي عايشتُها شخصياً في الكثير من لحظات المواجهة الحاسمة: الانتفاضة الفلسطينية الثانية والحراك من حولها، غزو العراق وحركة المناهضة العالمية الواسعة، حرب تموز، ومن ثم: 2011، 2015، 2020.

البوصلة الثورية الوحيدة في مخيّلتي هي استردادنا لإنسانيتنا بكونها أمراً لا يتحقّق إلا في تجاوزه للفردية. 

استردادنا لأصالة حريتنا في امتلاك مقدّراتنا وتحمُّل توابع خياراتنا. وكم من عقيدة في ظاهرها جماعية أو تكافلية تضامنية، صارت باباً لأن «نقبض حالنا جدّ» كأفراد ومصادر للحكم الأخلاقي، عوضاً عن أن «نقبض معركتنا جدّ» كشعوب وجماعات مفقّرة مهمّشة مسلوبة الكرامة.

البهجة ترياق الذين يملأون أنفسهم بالحزن على العالم وعلى أنفسهم، درعهم الواقية من تحوّل العجز إلى سمّ التدمير الذاتي. نبتهج في الشارع، في المعركة نختنق ولكن بفرح شهادتنا الحقيقة في عيون بعضنا بعضاً.

لم تُخلَق النظريات الثورية لتكون شبكة مفاهيم أخلاقية نُسقِطها على الواقع ونصنع تراتبيات جديدة. لم تُخلق لتكون حقيقةً نكزّها بقلم الرصاص على واقع حياتنا، بل لنصنع واقعنا في التفاعل والاشتباك مع هذه النظرية، مع هذه الكلمات. لن تكون الحقيقة يوماً في الكلمة، الحقيقة تنبثق من الاحتكاك مع الفكرة لا من الانصهار معها. وحدَه الله يُعبَد، لا النص ولا الشريعة.