رياض سلامة يعيد الناس إلى الشارع

بدا للوهلة الأولى وكأنّ حاكم مصرف لبنان لم يقُل شيئاً في إطلالته التلفزيونية الأخيرة. بدا بعيداً عن الواقع، يطمئن الناس إلى ودائعهم وإلى سعر الصرف الثابت ثبات الصخر، يلوم العوامل الخارجية للأزمة الراهنة، ولا يملّ من سرد إنجازاته على مسامع ناكري الجميل. لكنّ الحاكم، في الواقع، كشف أمراً بالغ الأهمية خلال هذه الإطلالة، إذ فصّل سياسته المتّبعة في «إدارة» الأزمة. وهو الأمر الذي ساهم في إشعال موجة ثانية من الانتفاضة.

تقوم سياسة سلامة على اللاسياسة، أي رفض الحلول الجذرية، وترك الأزمة تتفاقم من دون اتّخاذ قرارات حاسمة وعادلة وسريعة. ولكن ما يبدو في الظاهر لاسياسة، هو في الباطن سياسي بامتياز، إذ يقوم على دحر أية قراءة نقدية لبنية الاقتصاد اللبناني، وعلى لومنا نحن على علّات هذا الاقتصاد.


وفقاً لرواية سلامة، ساد الاستقرار والنعيم لعقود، بدليل حصريّ هو نموّ الودائع في القطاع المصرفي واحتياطي البنك المركزي. لم تبدأ معالم التعثُّر إلا في آب 2019، وذلك لأسباب خارجة عن إرادته. فما علاقة سياسات المصرف المركزي بتفجير «أرامكو» أو استقالة الحريري، وهو الذي حافظ ولا يزال يحافظ على الاستقرار النقدي والمالي في ظل غياب الدولة وسط هذه الظروف القاهرة؟

وإذا بحثنا في حديثه عن أسباب داخلية للأزمة، لا نجد إلا أنفسنا. فقد جزم سلامة أنّنا نحن مَن صنع هذا الواقع المرير لأنّنا قرّرنا فجأةً ومن دون سابق إنذار أو سبب مُقنع تحويل الاقتصاد من اقتصاد يتّكل على المصارف إلى إقتصاد «كاش». يكمن سبب الأزمة إذاً في لاعقلانية المودعين، وخصوصاً الصغار منهم، الذين راحوا يسحبون المال بشكل هستيري. أما كبار المودعين، فربّما يكونون قد هرّبوا ودائعهم، ولكنّ التحقّق من ذلك مستعصٍ وطويل الأمد ويتطلّب جهد أكثر من جهة. وجعة راس.

إذاً، كانت سياسة سلامة لتبقى فعّالة لو استمرّت قدرتنا على تفهُّمها، لكنّ هلعنا غير المبرّر تسبّب بفرض المصارف لقيودٍ استنسابية هدفها تطويق هذا الهلع، لا الأزمة. وإذا انزعجنا من لاقانونية الإجراءات، فهو جاهز لقَوْنَنتها. أمّا الحل، فيكمن في سماحنا للقطاع المصرفي بـ«التنفُّس» وإعادة وضع ثقتنا بالحاكم الذي تعلّم الكثير من الأزمات المصرفية في أميركا.


بعدما أرسى سلامة هذه الحقيقة، اتّهمنا بـ«الغشّ» لأنّنا نروّج بأنّ المصرف المركزي يموّل الدولة ليحمي منظومةً فاسدة. أهكذا تكافَأ الضحية التي هندست تمويل الدولة على مدار عقدَيْن نتيجة إيمانها العميق بلبنان، بانتظار إصلاحات انتظرها على الصعيد المالي، لكنّها لم تأتِ؟ الواقع أنّ أيّ محاولة لتدفيعه ثمن غياب الدولة هي مجرّد «فشّة خلق» وكلام شعبوي وتراشُق لكرة نار. فقد كشف لنا سلامة أننا سنقضي هذه المرحلة نتلقى سياسة تراشق اللوم من طرف إلى آخر، لتفكيك الرؤية للمنظومة ككتلة واحدة متّصلة، ما يضيّع المسؤوليات بغية إعادة توزيعنا على زعمائها.

ذهب سلامة من هذه «الوقائع» إلى اعتبار سعر الصرف الموازي الذي بلغ 2500 ليرة للدولار مجرّد وهم وتهويل، لأنّ الصرّافين يشكلون ١٠٪ فقط من السوق. وتجاهل أنّ سعر الصرف الموازي يطال شتّى القطاعات والمناطق والتداولات، ولا يُقاس بحسب حجم سوق الصيرفة. كما أبلغنا أن للنظام أو أفراده مصلحة في سعر صرف موازٍ، وأنّ تلاعبه باقٍ، ولا حلّ للمصيبة المالية التي سبق للحاكم أن أسماها بـ«الظاهرة».

اختتم سلامة إلياذته بالتأكيد على أنه لمس «عطفاً خارجياً» مصدره قطر. فهذه هي سياسة سلامة. تبدأ بعوامل خارجية قاهرة وتنتهي بإنقاذ خارجي مُبهر. سياسة تُصنَع عبر التماس عطف الخارج للاستمرار بتمويل فساد الداخل. سياسة قائمة على إقناعنا بالشيء ونقيضه: الحاكم قوي والليرة قوية، لكنّ قوّتهما لا بل وجودهما مستمَدّان من الخارج.

المصرف

تحوّلت من معابد لعقلنة اقتصادية، إلى عصابة من اللصوص غير الكفوئين. لم تكفِهم الأرباح التي جنوها بالماضي، كما لم تكفِ الودائع لإرضاء جشعهم غير المحدود. فأصبح أي تفاعل مع مصرف هو عملية سرقة، يحاول صاحبه نتش ما يمكن شفطه من عمولات

الجمهوريّة الزومبي

البنوك الزومبيالخسائر غير القابلة للإستيعابتمتص من المال العامطبع النقدلا هي قادرة على الإقتراضقيمة الأجور وهي تتهاوى