زمن تسكير الطرقات

مع بداية الثورة، فقدتُ قدرتي على التمييز بين أيام الأسبوع. اثنين، ثلاثاء، أربعاء… بالكاد بتُّ أستطيع أن أتخيّل إن كنتُ في بداية الأسبوع أو آخره. لكن، حتّى هذا صار مستحيلاً. لم يعد لهذا التوقيت أيّ معنى بعد 17 تشرين. في كلّ الأحوال، لا نحتاج في الثورة إلى كلّ هذه الأيام، لا نحتاج إلا لـ«بكرا». هو كفيل بتلخيص علاقتنا بالزمن واختصار مجمل أسئلتنا: حينزل ناس بكرا، بشوفك بكرا، وين بكرا… كل ما هو أكثر من ذلك مجرّد كماليات غير متوفرة لنا في هذه المرحلة.

«بكرا» هو زمننا الوحيد، هو كل ما نحتاج إليه بعد اليوم. بكرا، سنسكر الطرقات.


لم اعد أميّز بين الأيام، كما أنني لم أعد أعرف عدد الأيام التي مضت منذ انطلاق الثورة. أعتقد أن الفترة أقل من أسبوعين، ولكنني أكيد أن هناك «ويك-أند»-ين مرّا منذ 17 تشرين. أكثر من عشرة أيام وأقل من أربعة عشر يوماً، لا تسألوني أكثر من ذلك. ولكن هذا أيضاً غير مهمّ. المهم هو عدد الكلاسين النظيفة المتبقية. الزمن الثوري يقاس بالمسافة التي تفصل بين غسلة وأخرى. غسلت مرّةً واحدة منذ بداية الثورة، هذا أيضا، أنا أكيد منه. ثورتي صار عمرها غسلة.

سأسكّر الطرقات غداً لكي تصبح لثورتي غسلتان.


الساعات لم تعد تعني شيئاً أيضاً. لا أدري ماذا كنت أفعل على جسر الرينغ عند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، ولماذا كنتُ قبلها في كفررمان. الساعات تحوّلت إلى أماكن، هكذا أعرف في أي شقّ من النهار أنا. مكتب «ميغافون» يعني الساعة 12. رياض الصلح يعني بعد السادسة مساءً. «الرينغ» يعني بعد منتصف الليل. بنصّ الثورة، تغيّرت الساعة، وما حدا لاحظ. فالمرّة الأخيرة التي نظرنا فيها إلى الساعة، كانت عندما أمهلنا الحريري 72 ساعة. لستُ أدري إذا خلصوا أو بعد.

بكرا، الساعات لن تعني شيئاً، كلها ستكون على الطرقات.


السنوات أيضاً لم تعُد مهمّة. أتذكّر أنني كنت قد بلغت الـ41 من العمر قبل 17 تشرين. كنت بدأت أتأقلم مع فكرة أنني لم أعد شاباً، وأن هناك أجيالاً من قبلي وأجيالاً من بعدي. بات هناك أماكن لم تعد «لعمري» وأصبح لجيلي عقد خاص به: «التسعينات». آنذاك، كنتُ في ذاك العمر الذي يعتبرني البعض فيه شاباً والبعض الآخر راشداً، فيضيعون بين هويّتين عمريّتين. تفاقم هذا الضيعان بعد 17 تشرين. لم أعد أدرك كم من العمر أبلغ. فسقطت مع الثورة التقاليد الاجتماعية التي تمأسس للعمر، ليصبح الجميع تائهين في مساحات خارجة عن العمر ، كجسر الرينغ. لأي فئة عمرية هذا الجسر؟

كلّ ما أعرفه أن غداً سيُقاس عمري بعدد الطرقات المغلقة.

الاقتراح كفعلٍ سياسي

لكنّ «الاقتراح» قد يكون، في خروجه عن حدود الممكن، هو المطلوب اليوم: اقتراحات قد تفرز، واقتراحات قد تزعج، واقتراحات قد تنقلنا من لحظة «الثورة» الجامعة إلى لحظة الفرز السياسي…

من أزمة النظام إلى أزمة معارضيه

رسم حدود فاصلة بين قوى المعارضة نفسها النزعة الإصلاحية حركة إسقاط النظام الطائفي حصرها بقانون انتخابات جديد مالت لناحية حزب الله انعكست الانتخابات هزائم تتصدّر المشهد في ساحة رياض الصلح تأسيس جبهة سياسيّة مستقلّة متجانسة