سجلّ

كلمة واحدة باتت تلتقط زمننا، تلخّصه، تختصر شرحًا طويل… كلمة يردّدها الجميع، من يحاول أن ينظّر من بعيد ومن يصف على الواقف يومياته… الانهيار. لم نعد نواجه أزمة واحدة أو تراكم أزمات، منها ما هو سياسي أو اجتماعي أو مالي. بكلام أدّق، بات لتراكم الأزمات التي نعيشها طعم خاص، طعم الانهيار العام أو الانحلال الكامل.

كلّ جديد ينشأ يهرم قبل أن يصلُب عوده… وكلّ ما هو مقدّس يدنّس، والناس يُجبرون في النهاية على التفرّس في وضعهم المعيشي، وفي علاقاتهم المتبادلة بأعين بصيرة.

بهذه الكلمات، وصف ماركس الرأسمالية. ووصفه هذا قد يكون أدّق وصف لحالتنا الراهنة، حيث حالة الانحلال العام أجبرتنا على التفرّس في طريقة عمل اقتصادنا وتركيبة مجتمعنا ونظام أخلاقنا العامة. التفرّس من دون أي وهم أو تَشَيُّؤ أو أسطرة… فنواجه اعتباطية حياتنا الاجتماعية وأساطير اقتصادنا الوطني وهشاشة وجودنا الاجتماعي… لنصل إلى الخلاصة بأن الأزمة هي الرأسمالية، وليست «آخرها»، وحالة الهشاشة المعمّمة هي القلق المؤسس للمجتمعات، والانهيار ليس إلّا مناسبة لمعاينةِ اعتباطيةِ ما اعتقدناه طبيعياً.

هناك حقيقة، أو حقائق، لا تظهر إلا في حالة الانهيار، لا تظهر إلّا للمنهارين.

فليس من بعد الانهيار، لا «عودة» إلى عالم ثابت، صلب، واثق من نفسه… واثق من ثقة… لا عودة إلى عالم لدينا «ثقة» فيه، فينا، في مؤسساته وقِيَمه وأعرافه ورموزه، ومن أهمها عملته. فلمن عاش هذا الانهيار، لا عودة إلى عالم تبدو فيه المصارف مؤسسات محترمة مؤتمنة على أموالنا، أو العملة النقدية أداة موثوقة للتبادل، أو القانون بنية حيادية لحل النزعات. لا عودة إلى عالم لا يسرق فيه التجّار البضائع المدعومة، ولا يهرّب فيه الأغنياء أموالهم، ولا يسرق الجيران من بعضهم بعضاً أكياس الحليب المجفّف. لا عودة إلى عالم ليست القسوةُ محرّكَه الأساسي.

لا عودة إلى عالم يستطيع البعض تجاهل امتيازاتهم فيه وتطبيعها، خاصة بعدما أصبح أبسط امتياز يعني الفارق بين الحياة والموت. كل شيء واضح. ثمنه واضح رغم تقلّب الأسعار. ثمن وجبة في مطعم هي معاش شهريّ لعائلة كاملة.

نحن، مَن يعايش الانهيار، مَن انهار، لا يمكن أن ننسى ما رأيناه. نحن لن نعود إلى عالم «طبيعي»، وليس لنا مكان في عالم ما بعد الانهيار. سنبقى حتى آخر واحد منّا مصبوغين بهذه التجربة، مكسورين، ملوّعين منها… بعد عقود من الزمن، سنُعرف بالشوارع كهؤلاء الذين يرتعش جسدهم كلما اقتربوا من مصرف، أو يتحدثون لساعات عن انفجار وقع يومًا ما في مرفأ ما، أو يكدسّون علب الحليب المجفّف حتى وإن كانوا يكرهون الحليب. نحن من طُرد من المجتمع والاقتصاد وحتى الحياة البيولوجية، لنصبح كائنات مجهولة الهوية والتكوين، ميزتها الوحيدة أنّها عايشت الانهيار الكبير.

لم يردّنا الانحلال العام إلى مكونّنا الأصلي، إلى هذا المستوى حيث جميعنا كائنات حية، متساوية، متماثلة… فحالة الانهيار هي تبخّر لقوانين المجتمع وأعرافه وأوهامه، وتجبرنا إلى معاينة بأعين بصيرة حقيقة لا-مساواتنا. فكلّنا منهارون، ولكن بحدّة مختلفة، وحيواتنا باتت هشّة ولكن البعض منها يعاني من هشاشة أكبر. كلّنا نفقر، ولكن البعض منّا يجوع. بهذه اللحظة، يجب مقاومة، وبشراسة، أي خطاب يحاول أن يساوي بيننا. حالة الانهيار هي تكثيف لعدم المساواة التي أدّت بنا إلى هنا.

الأرقام لا تستنفد توصيف حالة الانحلال. فهي تلتقط إيقاع انهيارنا، كما تلتقط أرقام الكورونا انتشار الوباء أو كما يلتقط سعر الصرف التقلبات المربحة لانهيارنا المالي.

هناك ما هو أبعد من الأرقام، هناك عالم بتفاصيله الحميمة قد تغيّر، بعاداته وردّات فعله وطقوسه ومشاعره وحتى فهمه لنفسه. بات للهجرة معنىً جديد، نحن لم نغادر، بل عالمنا هو الذي غادر.

هناك ما هو أبعد من الأرقام. فربّما كان كل ما يمكن القيام به في حالة الانحلال هذه، هو وصف التحوّل في الممارسات والأماكن والعادات والمشاعر، وصفها لكي نتذكر ما الذي يزول، ووصفها لكي نستقرئ بعض ملامح حاضرنا. فما من مستقبل يمكن الاتّكال عليه بعد اليوم. نحن، هنا، في الحاضر، حاضر يتحوّل خارج الزمن، حاضر نحاول أن نتلمّس تحوّلاته كمن يحاول السير في العتمة. لا شيء تغيّر في الظاهر، لكنّ كل شيء تغيّر.

هذا ما نحاول التقاطه بالأرشيف المفتوح، أو قاموس الانهيار، أو معجمه، الذي نفتتحه هذا الأسبوع. كل أسبوع، كلمة أو ممارسة أو مكان أو عادة أو فكرة، يتناولها كاتب أو كاتبة، لكي ي/تصف تحوّلاتها أو التغييرات بمعانيها ومعيشها. أرشيف مفتوح، كالدعوة إلى المساهمة فيه، لكي نبحث سوياً بهذا الانهيار، لنجد فيه بعضًا من الثبات في تشارك التجارب التي تمزج بين الخاص والعام، ولنستقرئ بعض معالم انهيارنا. وربّما لحفر إشارة هشّة على صلابة قعرنا: سجّل، هنا يركن من عاش الانهيار الكبير.

مــــــلــــــف
سجلّ الانهيار

يحاول ملف «سجل الانهيار» أن يلتقط معالم ومعيش حالة انهيارنا الحالية. كل أسبوع، كلمة أو ممارسة أو مكان أو عادة أو فكرة، يتناولها كاتب أو كاتبة، لكي يـ/تصف تحوّلاتها أو التغييرات بمعانيها. على مدار الأسابيع والنصوص، نطمح إلى بناء أرشيف مفتوح أو قاموس متعدّد الأصوات لحالة الانهيار، علّنا نجد فيه بعضًا من الثبات في تشارك التجارب والمعاني. الدعوة مفتوحة للمساهة في هذا الملف، من خلال اختيار كلمة (قد تكون ممارسة أو إحساس أو عادة أو مكان…) ومحاولة وصف مآلاتها بعد أكثر من سنة من التحوّلات.


رسالة من عواطف، إليك

أنا يا صديقي، ككثر في هذه البقعة، يصيبني القلق… وعندما يسيطر: أضحك. هل كنت تعرف أنّنا نضحك قلقاً؟ وهل تعرف أن القلق بالنسبة لعواطفنا هو كرجال الأمن بالنسبة للمتظاهرين؟ ما أن تحاول عواطف التعبير عن حضورها، حتى يكشّر القلق عن أنيابه بابتسامة أو حتى بنوبة من الضحك، تختفي العواطف قسراً

استوَيْنا

تركها الحجر وحدها معهمصراخ جارتيتصارع للحصول على نفقةفقر الدمّ أنهكهاتحمد الله أنّها ترضع طفلتهاها قد ناهزت السبعين وتريد الثأرتدّخر ما يأتيها من دولارات