سرديّة المصارف: الحقّ على الدولة

ردّت جمعيّة المصارف على مسوّدة خطّة الإصلاح الحكومي، في بيان جرى نشره في الصحف كإعلان مدفوع الثمن. للوهلة الأولى، يبدو البيان في غاية الركاكة، إذ لم يحتوِ على أيّ رقم أو رسم بياني، أو حتّى حقيقة مدعّمة بتحليل مُعتبَر. واقتصر المحتوى على تقاذُف سطحي وساذج للمسؤوليّات مع «السلطة السياسيّة».

لكن رغم ضعف البيان وهشاشة مضمونه،

ثمّة ما يستحقّ الانتباه والتحليل، وتحديداً السرديّة التي تحاول المصارف تسويقها مع الإعلام الدائر في فلكها، ونوعيّة الحلول التي ستقاتل المصارف من أجلها في وجه الجميع.

يبدأ البيان بالاعتذار للمودعين، مشيراً إلى أنّ السبب الأساسي الكامن وراء أزمة السيولة التي تمنع المصارف من السداد لهم، هو ببساطة: توقُّف الدولة عن دفع ديونها.

يوجد احتمالان لهذا النوع من التشخيص: إمّا أن يكون كاتب البيان ساذجًا وغير مُلمّ بالمسألة، وإمّا أن يكون كاذبًا. وبما أنّنا نتحدّث عن جمعيّة تمثّل مؤسسات ماليّة ذات شأن، فالاحتمال الثاني هو الأرجح.

بالتأكيد يمثّل امتناع الحكومة عن سداد الديون مشكلة سيولة إضافيّة للنظام المالي، وخصوصاً لناحية السيولة بالعملة الصعبة. فقد وظّفت المصارف من دولارات المودعين ما يقارب 13 مليار دولار في سندات اليوروبوند، بينما وظّف مصرف لبنان نحو 5.7 مليار دولار.

لكنّ مشكلة السيولة الأكبر تكمن فعلياً في مكان آخر. وهي مشكلة قائمة حتّى لو افترضنا أنّ الدولة سدّدت كلّ سندات اليوروبوند المتوجّبة عليها إلى مصرف لبنان والمصارف.

فالنظام المالي اللبناني بأسره (مصرف لبنان والمصارف الخاصّة) منكشف اليوم على نحو 63 مليار دولار بالعملة الصعبة، أي أنّ التزاماته بهذه العملات تفوق ما يملكه بهذا القدر. ويبلغ انكشاف مصرف لبنان وحده حدود الـ42.8 مليار دولار.

نتج هذا الانكشاف، في الواقع، عن نمط من العمليّات قامت بها المصارف ومصرف لبنان بإرادتهما معاً، وقد اندفعت المصارف إلى هذا النمط بفعل الأرباح السخيّة التي درّتها هذه العمليّات عليها.

لا يمكن، في الواقع، الفصل بين فجوتَيْن متشابكتَيْن حدثتا معاً وللأسباب نفسها: فجوة ميزانيّات المصارف وفجوة ميزانيّة مصرف لبنان. ولذلك، فإنّ أزمة النظام المالي بدأت قبل وقت طويل من إعلان الدولة توقّفها عن سداد سنداتها.

يقودنا هذا إلى رفض البيان الحديث عن مراباة قامت بها المصارف، معتبرًا أنّ ارتفاع أرباحها كان مجرّد نتيجة لارتفاع المخاطر. لكنّ البيان يتناسى هنا أيضاً أنّ بعض عمليّات الهندسة الماليّة درّت على بعض المصارف، في سنة واحدة، أرباحاً بلغت ضعفَيْ أرباحها التشغيليّة السنويّة. فأيّ وصف ينطبق على هذا النوع من العمليّات المرتفعة المخاطر مع مدين على وشك الإفلاس مثل الدولة اللبنانيّة، غير مصطلح مراباة؟


ليست معركة السرديّة سوى مقدّمة لمعركة الحلول المقترحة وتوزيع الخسارة. ويصل البيان إلى النقطة التي يريد الوصول إليها حين يعتبر أن الحلّ يكمن في: تقديم مؤسّسات عامّة كضمانات للمصارف والمودعين.

ما أثار جمعيّة المصارف في خطّة الإصلاح الحكومي هو الجزء المتعلّق بتحميل جزء من الخسارة إلى مساهمي المصارف عبر الاقتصاص من حصصهم. وما الحلّ البديل الذي يقدّمه البيان إلا بيع أصول الدولة للتخلّص من هذه الخسارة.

تناقض المصارف في ما تطلبه هنا أبسط قواعد المنطق. فسواء تعلّقت خسائر المودعين بتوظيفات المصارف لدى المصرف المركزي، أو بسندات اليوروبوند، أو الفجوة في ميزانيّات المصارف نفسها، يُفترض بأصحاب المصارف أنفسهم تحمّل مسؤوليّات القرارات الاستثماريّة التي اتّخذوها، وخصوصاً إذا ما تعلّق الأمر بسوء ائتمان واضح مثل الانكشاف إلى هذه الدرجة على التوظيفات في المصرف المركزي وسندات الخزينة.

وفي كل الحالات، يُظهِر البيان نوعيّة التشخيص الذي ستسعى المصارف إلى تعميمه على الرأي العام في المرحلة المقبلة، كما يشير إلى نوعيّة الحلول التي ستحاول تسويقها. والأهمّ أنّ البيان يشي برغبة المصارف بالدخول في خندق واحد مع المودعين في وجه الدولة المتعثّرة.

آلهة وعاملات

حافظ اليوروبوند، خاصة عند أنصار دفع استحقاقات الدين، على هالة قدسيةستّون سنة من الذكورية المالية النقيّةيتوّقف الاقتصاد اللبناني الحرّ الذي يتغنّى المصرفيون به عند عتبة المنازليدخلنَ البيوت غريبات، ويخرجنَ منها غريبات، على رجلَيْن أو...في كفن

المعركة هناك… داخل الغرف المعتمة لمصرف لبنان

الغضب داخل فروع المصارف فالمصارف، ببساطة، لا تملك المال معركة توزيع خسائر التفاعل مع القرارات النقديّة والماليّة استمرار الدولة في إيفاء خدمة الدين وحماية مصالح وأرباح النافذين «هير كات» جماعي لن يحصّلوا من ودائعهم إلا الفتات