17 تشرين بعد عام ▪︎ سنة على الثورة على أنفسنا

امتنعت عن كتابة مسودة لهذه المقالة كما أفعل عادةً في امتحانات اللغة العربية في المدرسة، إذ أردت أن تكون المقالة عفوية مثل انتفاضتنا، أن تعبّر عن مشاعري وأفكاري كما عبّرت الثورة عن مشاعرنا وقهرنا وغضبنا الجماعي.

قلبت هذه الثورة حياتنا عِقباً على رأس، وليس رأساً على عِقب، إذ فرضت قوى جماهيرية جديدة وخلقت وعيًا كبيرًا بين الفئات الشبابية. تجلى هذا الوعي الجديد وانخراط الشباب بالعمل السياسي بعصيان التلاميذ أوّل الإنتفاضة وإغلاقهم للمدارس، ثمّ بفوز المستقلين في الانتخابات الطلابيّة في الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة.

أمّا بالنسبة لي، فكانت هذه الثورة ثورة على نفسي، انقلابًا حقيقيًا على ذاتي، إذ كنت ككثيرين من الشباب العرب:
حاقداً على المجتمع،
خالياً من إحساس بالانتماء إلى هوية أو قضية أو حتى فئة من المجتمع،
ساعياً للدراسة في الخارج ونيل شهادة لكي أستقرّ وأتلف جنسيتي اللبنانيّة المفرّغة.
أخرجت الانتفاضة من أعماقي هذه الرغبة المخفية في الانتماء والنضال. لم تخرجها فقط، بل حصّنتها وحوّلتها إلى شيءٍ ملموس ومرئي.

كنت، مع بدء الثورة، مثل كل تلاميذ المدارس، مجرّد شابٍّ في الصفّ الحادي عشر يتوق إلى التظاهر. لكن مع بدء التحرّكات التنظيميّة، تعرّفت على كثيرين في مدينتي، طرابلس، ممّن شاركوا وآمنوا في هذه الرؤية الثورية التغييرية. كثيراً منهم وهب معظم وقته للعمل السياسي، واستطعنا من خلال ذلك خلق بيئة سياسية واجتماعية لم نرَها سابقاً في مدينتنا المُسيطر عليها من قبل الأجهزة والأحزاب الطائفية. ولكن حتى ضمن هذه الدوائر، كنّا لا نزال تحت سيطرة هذا الموروث اللبناني الذي كرّسته السلطة والقائم على مفهوم «لبنان راح يمشي حاله»… إلى أن انفجرت بيروت. أدرَكَ وقتها الكثير منّا أن لا بديل عن إعلان الكفاح في وجه هذا النظام القاتم وكل أركانه.


قبل 17 تشرين، أي قبل تكوين آرائي السياسية الخاصّة، كان المصدر الأساسي لمواقفي الإجتماعية والسياسية هو والدي. كنت أستمع له دائمًا وأسأله تلك الأسئلة التي لا جواب لها:
هل ستتحرر فلسطين؟
هل ستسقط الإمبراطورية الأميركية؟
مَن كان على حق في الحرب الأهلية؟
هل سترجع سوريا؟
ماذا حدث في العراق؟

أتذكّر حديثًا طويلاً معه. كان شبه نائمٍ، ممدّداً على الصوفا، ويعمل على الإجابة على أسئلتي «الوجدانية» الحائرة بصعوبة. لسوء الحظ أراد إنهاء الحديث، فختم قائلًا: وضعنا العربي ميؤوسٌ منه، لكنّ شعوبنا، يومًا ما، ستصل إلى مرحلة تدرك فيها، كما قال طارق بن زياد لجيشه، أن العدو أمامها والبحر وراءها. عندها، عند إدراكنا أنه لم يعد لدينا ما نخسره، سيحْدث التغيير. لا أعتقد أنّي سأرى هذا اليوم، لكنّي متأكّد أنّ جيلك حتماً هو الجيل الذي سيغيّر مصيره بيده.

ثم غفا وغرق في نومٍ عميقٍ.

أفكّر دائماً في ذاك الحديث مع والدي.

بعد اتفاقات التطبيع، فقد أبي الأمل تمامًا في جيله وفي جيلي وفي «العربيّ». وبالرغم من ذلك، ما زال لدي الأمل، خاصة بعد اقتحام الشعوب للشوارع منذ 2011 حتى اليوم، وهي التي وصلت إلى مرحلة اللارجوع الذي تحدّث عنه أبي. البعض منها، كالعراقيين مثلاً، ينتفضون بعد سنين من الحروب والفقر رافضين لفكرة الإستسلام. البعض الآخر، كالسوريين، واجهوا الكيماوي والبراميل المتفجّرة والتهجير والعنصرية لكن لا يزالون، بالرغم من الإرهاق، يناضلون.


كلّ يوم، أستيقظ وأتفقّد وسائل التواصل الاجتماعي.
أُشاهد فيديوهات عديدة لتظاهرات بغداد والنجف والناصرية.
أدقّق في صورٍ تُرفع لصفاء السراي، ذاك الثائر العراقي الذي قُتل على يد السفّاحين.
ثم أنتقل بسرعة إلى فيديوهات الثورة السورية.
أستمع لمقاطع هتافات ثوّار باب قبلي، وإلى أصوات القاشوش وطارق الأسود وعبد الباسط.
أتذكّر ياسين الحاج صالح وزوجته المخطوفة سميرة خليل.
أتذكّر محمد البوعزيزي الذي أشعل ثورة تونس والربيع العربي بأكمله.
أتذكّر سارة حجازي، تلك الناشطة التي وقعت ضحية نظام السيسي ومجتمعاتنا الهوموفوبية والذكورية.

أدرك أن هذا الشعور في داخلي القلِق من المستقبل هو شعورٌ عانى منه كلّ شابٍّ عراقي وسوري وتونسي ومصري وسوداني عندما دقّت الساعة لتغيير مصير بلاده.


كيف لنا أن نفكّر في الإستسلام بعد كل هذا؟ بعد 17 تشرين، بعد بحثٍ ووعيٍ لواقعٍ عربيٍّ مؤلم، أدركت أن صراعنا مع هذه الأنظمة ليس جديدًا، بل هو صراع جماهيري قديم. فالبحر كان وراءنا منذ زمن، والعدوّ ما زال أمامنا. لا أعرف ما إذا كنّا سننتصر، لكنّي أعرف أننا قد أحرقنا السفن، وسنحاول.

الاقتراح كفعلٍ سياسي

لكنّ «الاقتراح» قد يكون، في خروجه عن حدود الممكن، هو المطلوب اليوم: اقتراحات قد تفرز، واقتراحات قد تزعج، واقتراحات قد تنقلنا من لحظة «الثورة» الجامعة إلى لحظة الفرز السياسي…

من أزمة النظام إلى أزمة معارضيه

رسم حدود فاصلة بين قوى المعارضة نفسها النزعة الإصلاحية حركة إسقاط النظام الطائفي حصرها بقانون انتخابات جديد مالت لناحية حزب الله انعكست الانتخابات هزائم تتصدّر المشهد في ساحة رياض الصلح تأسيس جبهة سياسيّة مستقلّة متجانسة