سوائل محمود درويش

الصديق آخر هو أنت

أبو حيّان التوحيدي

 

لي طفلة. أنا أب. لكن لا شيء يشدّني إلى الأبوّة.

محمود درويش، كما نقل عنه سليم بركات

 

فتح سليم بركات في مقالته التعجيزيّة، ككتابته، نقاشاً حادّاً حول المني. ذاك الذي أثار اهتمام الخلق منذ البداية. المني كسائل حيّ. جوهر الحياة وعدمها في آن. فاتحاً فجوات السؤال والمخيّلة، عن سوائل صديقه الراحل التي طرطشت هنا وهناك، بعضها نزّ بعد اشتهاءات جاءت بها قضايا الدم والموت واللجوء، أو قصائد اللهفة والغياب وألعابها وسردياتها الناتئة. تلك التي تستدعي لأي شاعر الحق بأن يجعل أيّ جسد مجرّد مسرح لرغباته وتساؤلاته وغرائزه. السوائل التي بُعثِرت هنا وهناك على أجسادٍ وملاءاتٍ وأحياناً في فجوات نساء انتظرنَ من شاعرهنّ لحظةً ما. عبارة. أو ربّما انتظرنَ طفلاً.

ولأنّ بركات الذي أعاد بشيء من اللامبالاة سؤالنا عن الصداقة وفعلها واحتمال سرّها وإمكانيته، فهو يجعلنا نستعيد عبارةً أثيرةً لأبي حيّان التوحيدي عن معنى الصداقة. هذا الآخر الذي يصير أنت. نفسك. وعليه، قد تصير البنت التي هي من لحم ودم وتعيش ربّما مع حقيقة أنّ والدها رمز وقضية وشاعر، أو ربّما تعيش معه كإنسان لم يسأل عنها، أو ربّما تجهله، تعيش مع أبيها الآخر الذي اختارته كي يحميها. تصير هذه البنت عبر مفهوم أبو حيان ابنةً أيضاً لسليم بركات. فعليه أن يحتفظ بسرّها كما أراد الشاعر أن يحتفظ به. كونهما معاً مرآةً لآخر.

الصديق آخر هو أنت. لذا، فهذه الابنة التي افترض أن تبقى بعيداً عن الأضواء، مسرورة بغيابها، قصيدة لم يكتَب لها أن تعيش في عباءة شاعر، كان عليها أن تبقى سراً. غير مكشوف. أو لمحبّي الأخلاق ومتتبّعي السوائل، كان يجب لهذه الطفلة أن تنمو في ظلّ أبيها. هل تتخيّلون أيّ راحة أن تكون ابناً أو ابنةً لمحمود درويش؟ (الحمد لله منّي ابنو).

لكن، وبعيداً عن سؤال الصداقة الجدليّ، يجعلنا سليم بركات اللغوي المتمكّن صاحب كلمات كالصخر تحتاج إلى نحّات وحفّار قبور، أن نسأل عن: كيف يتعامل المشاهير مع سوائلهم؟ خصوصاً أنّ لسوائلهم، كما إنجازاتهم العادية أو الكبيرة، سحراً لدى المريدين. فأحياناً، قد تثير بصقة ممثّل اهتماماً واسعاً لدى محبّيه كما الكارهين له. وقد يتمنّون لو كانت هذه البصقة على وجوههم. فكيف الحال إن كان منيُ شاعرنا، كسائل رغبة واشتهاء، قد فلت من لحظته، وبدلاً من أن يصبح قصيدةً (كما يحبّ الشعراء أن يحوّلوا أي شيء في حياتهم إلى قصائد، ولو على حساب مشاعر الآخرين)، تحوّلت هذه اللحظة إلى طفل. طفل نما وكبر بالسرّ.

وخلافاً للجهل الذي يضع هؤلاء الاطفال في خانة اللاشرعية، كأنّ الحبّ والنَّيْك والولادة والشوق خارج المعارف والمفاهيم السائدة يحتاج إلى شرعنة، خلافاً لهذه التسمية، فإنّ هذه الطفلة عاشت بعيدةً عن الشعارات التي أوجدها الشاعر وأوجدوها عنه. عاشت ربّما في كنف عائلة لا تحبّ القضايا والهتافات، وبعيداً عن رائحة الصعتر وخبز الأمّ. عاشت في الظلّ، أو لنقُلْ عاشت في حياة ليست تحت ظلال أبيها.

ما أورده سليم بركات في مقاله يجعلنا نرى ملامح غير مرئية لشاعر تجاوزت شهرته العالم العربي، ويكاد أن يكون الشاعر الأكثر قراءةً ومبيعاً في مكتبات فرنسا. هذه الملامح، على تنازعها صفات السرّية والحميمية، فإنّها تجعلنا أيضاً نخوض لأوّل مرّة في سائله الآخر.

فقد قرأنا ما أساله سائل قلمه وحبره من كلام وقصائد وحشو وغيره وغيره. أمّا سوائله التي سالت في فجوات نساء عاديات أو شاعرات أو عاملات جنس، فلا نعرف شيئاً عنها. تصوّروا لو أنّ محمود درويش ناك رجلاً، سيكون أسهل أن نعتاش مع فكرة سائله الذي ذهب إلى الصرف الصحي ولم يُنتج ابنة. وسيكون أسهل أن لا نقرأ مقالاً لصديقه يخبرنا سرّ صديقه. وربّما كنّا سنقرأ خرائيات الذكور العرب من المثقّفين الذين يعتبرون نَيْك الرجال بعضهم لبعض تقليلاً من الرجولة.

في النهاية، لمحمود درويش أسراره، ولسليم بركات أسبابه، ولنا نحن التفرّج والضحك عالياً.