سيكتب التاريخ عنّي يا أمّي

في اللحظة نفسها التي يتفشّى فيها وباء الكورونا، وفي اللحظة نفسها التي يخشى فيها اللبنانيّون من تبخُّر ما ادّخروه من أموالٍ داخل المصارف، قرّر رئيس الحكومة حسان دياب أن يصارح شعبه: بكلّ صراحة، لم تعُد هذه الدولة، في ظلّ واقعها الراهن، قادرةً على حماية اللبنانيّين وتأمين الحياة الكريمة لهم.

ليس حسّان دياب واحداً من المتظاهرين. إنّه رئيس الحكومة. أي إنّه الشخص الذي لا يمكنه أن يعلن عجز الدولة، بل عليه بالضبط أن يعمل دون توقّف حتّى لا تعلن الدولة عجزها.

فلماذا أقدم الرئيس التكنوقراط على دعسته الناقصة هذه؟


لم يتركنا حسّان دياب أسرى الحيرة طويلاً. فقد كشف بنفسه عمّا يجول بخاطره.

فالدولة عاجزة، لكن ثمّة من أقدم على التقاط كرة النار، وافتتاح ساحة الشرف. إنّه البروفيسور نفسه الذي شمّر عن سواعده واضعاً نصب عينيه هدفاً واحداً: سيكتب التاريخ عن كلّ الذين هدموا جدران الفساد وبنوا جسور الثقة وأعادوا الأمل إلى اللبنانيين وساهموا في ورشة الإنقاذ.

وعلى غرار الرسالة التي وجّهها لأمّه في أوّل عيد أمّ بعد تولّيه وزارة التربية في حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، كاد البروفيسور يستأذن القناصل الذين ألقى كلمته أمامهم، ليناجي أمّه قائلاً: «سيكتب التاريخ عنّي يا أمّي».

إنّّها خفّة التكنوقراط الذي لا يرى في منصبه إلا علاقة مباشرةً مع التاريخ الذي سيكافئه أخيراً على سهره الليالي، وهو الذي طلب العُلا. ودياب، وإن كان يدّعي الاعتماد على الدراسات العلميّة، كثيراً ما لجأ إلى الحِكَم والأمثال الشعبيّة كي ترشده في الحُكم. أليس هو مَن روّج، أمام تجمّع لرجال الأعمال، للمبدأ الاقتصاديّ القائم على «ما حكّ جلدك إلا ظفرك»؟

الواقع هو أنّ التاريخ سوف يكتب فعلاً عن حسّان دياب.

سوف يكتب التاريخ أنّ رئيس الحكومة تأخّر في التحرّك لمعالجة أزمة الكورونا، فبات لبنان من الدول الموبوءة. وأنّ رئيس الحكومة تأخّر في معالجة ملف اليوروبوندز، فبات جزءٌ كبير منها متجمّعاً لدى صندوق استثماريّ واحد اكتسب قوّة تفاوضيّة كبيرة.

سوف يكتب التاريخ أنّ حكومة المستشارين التي يرأسها الأستاذ الجامعيّ لا تملك رؤيةً للخروج من الأزمة، وأنّ تجاذبات القوى التي تشكّل سلطة الـ«كلّن يعني كلّن» هي التي ستقرّر في نهاية الأمر ما الذي ستفعله الحكومة في ملفّ الودائع، وملف اليوروبوندز، وإعادة هيكلة الدين العام، والتعيينات، وسائر الملفات.

سوف يكتب التاريخ أنّ أستاذاً جامعياً ارتضى أن يلعب دور الدمية التي يمسك بخيوطها الطقم الحاكم إيّاه.


لم يُخبر حسّان دياب اللبنانيّين بما لا يعرفونه. أخبرهم، في الحقيقة، أنّ ما يعرفونه لن يتغيّر.

ولأنّهم يعرفون، نزل اللبنانيّون إلى الشارع في 17 تشرين ليطالبوا بأمرين أساسيَّيْن:

أوّلاً، رحيل هذا الطقم الحاكم الذي استباح الدولة ونهبَها، وساهم في إثراء الأثرياء وإفقار الفقراء، وكشف عن وجهه كمجموعةٍ من اللصوص والمجرمين.

ثانياً، عدم دفع فاتورة الانهيار الذي قادتنا إليه سياسات الطقم الحاكم نفسه، بل تدفيعها لمن استفاد من ذلك النظام.

من شمّر عن ساعدَيْه فعلاً هم المتظاهرون اللبنانيون. أولئك الذين ما زالوا منذ أكثر من أربعة أشهر يهتفون في الساحات، ويجوبون الطرقات، تتجسّس عليهم كاميرات حكومة حسّان دياب. أولئك الذين ما زالوا يُقتادون إلى التحقيقات على مرأى من وزيرة عدل حسان دياب. أولئك الذين تنشّقوا الغاز المسيل للدموع الذي أطلقه وزير داخليّة حسان دياب. أولئك الذين أقفلوا الطرقات على النوّاب اللصوص، وتواجهوا مع الجيش والقوى الأمنية كي يتمكّن حسان دياب من تلاوة بيانه الوزاري الهزيل والحصول على الثقة الهزيلة. أولئك الذين أسقطت شتائمهم في الشارع هيبة المتسلّطين. أولئك الذين كسّروا واجهات المصارف، وأعلنوا مع كلّ واجهة مصرف كسر التحيّز الطبقيّ.

هؤلاء ليسوا بحاجة إلى التكنوقراط المخلّص. هؤلاء دفنوا الخلاص والمخلّصين حين هتفوا: «بكرا الثورة تشيل ما تخلّي».

الاقتراح كفعلٍ سياسي

لكنّ «الاقتراح» قد يكون، في خروجه عن حدود الممكن، هو المطلوب اليوم: اقتراحات قد تفرز، واقتراحات قد تزعج، واقتراحات قد تنقلنا من لحظة «الثورة» الجامعة إلى لحظة الفرز السياسي…

جدرانٌ تشفي

فأضفنا إحصاء حالات الكورونا والوفيات إلى إحصاء الأدوية المقطوعة والقطاعات المهدّدة بالزوال، وإحصاء الأصدقاء والزملاء المهاجرين، وإحصاء انخفاض سعر صرف الليرة، وإحصاء عمليات السرقة الممنهجة لأموالنا