شبح الطرح البديل

في يومها الثاني عشر، ينبثق عن الثورة اللبنانية ما اعتدناه في مظاهرات وتحرّكات السنوات السابقة. فقد اعتدنا ضجرَ بعض الجهات المشاركة من التحرّكات، ومناداتها لتشكيل لجان تنسيق أو قيادات طارئة، بحجّة الحفاظ على زخم وهمّة الناس للنزول إلى الساحات. إلّا أنّ ما يثير الانتباه هو ما نشهده من أخطاء وعثرات كنّا قد ظننّا أنّها ماتت ودُفنت في الانتخابات النيابية السنة الماضية.

فها نحن نشاهد اليوم مجموعات المجتمع المدني تقع مرّة أخرى في فخٍّ هو من أسهل الفرص لانقضاض السلطة على محاولات التنظيم واحتوائها. تجلّى هذا في خطاب حسن نصر الله منذ يومين عندما حثّ الحراك (وهو رفض تسميته بالثورة) على اختيار ممثّلين أو «قادة» للتفاوض مع بيّ الكلّ على المطالب. تكثر وتتكاثر التكهّنات حول جدوى وجدّية هذا الطرح، واحتمال احتواء السلطة للثورة من خلال التفاوض الذي لا بدّ أن يولّد مساومات. لكن فلنحاول تفكيك مدى خطورة، أو أهمّية، طرح كهذا.

أوّلاً،
ما هو في الحقيقة ثورة تجلّت بانقلاب المناطق على أربابها وأصحاب الرساميل فيها، دفع أكثر من مليونَيْ شخص للمشاركة خلال فترة 10 أيّام في كافّة المناطق وبكافّة الأشكال. ومن هنا، فبين طروحات بيروت مدينتي وحزب الكتلة الوطنية، وهيئة تنسيق الثورة (التي بالكاد سمعنا بها) بتشكيل حكومة إنقاذية والتهويل من الفراغ من جهة، وفرض السلطة بقاءها وحثّنا على عدم تضييع وقتنا من جهة أخرى، نجد أنّ الرعب الحقيقي من الفراغ وإسقاط النظام لا يكمن في الشارع بل في السلطة والمجموعات المنادية بعدم أخذ التحرّكات باتّجاهٍ راديكالي أو جذري.

ثانياً،
عند الإصرار على وضع قانون انتخابي جديد في سلم الأولويات «الإنقاذية»، نجد أنّ هذه الطروحات منعزلة تماماً عن الشارع والمطالب، ونستطيع حتّى أن نتّهم هذه الطروحات بتهميش المطالب بما أنّها تأخذ منحىً نخبويّاً بإصرارها على ترك القرارات والخطط الإنقاذية بيد قلّة قليلة من الخبراء والتقنيين المقترحين من مجموعاتهم. أضف إلى ذلك أنّ هذا الطرح يفترض بسذاجة أنّ أركان نظام قائم على التحريض والتهويل والتهديد بإعادة الحرب الاهلية قد يفكّر لدقيقة واحدة بالخضوع لقانون، انتخابي أو غيره، يهدّد استمرارهم ومصالحهم. وهل يصحّ أصلاً أن نركّز على الانتخابات التي تُحصَر بالمواطنين اللبنانيين كحلّ طارئ بينما الشوارع تنادي بحقوق اللاجئين وتناشد بحمايتهم؟

ثالثاً،
يحمل مشروع تبنّي حكومة «خبراء» فوقيّةً هي بذاتها ما انتفض الشعب عليها، من حيث إعادة إنتاج سلطة حاكمة من الطبقة الوسطى التي تهتمّ باستعادة الأموال المنهوبة لمجرّد استعادتها ولا تجرؤ على القول ما الهدف من هذه الاستعادة كي لا تذكر إعادة توزيع الثروات والموارد. فكيف لنا أن نتّهم النظام والسلطة بالفساد وفقدان الشرعية بينما نحن أنفسنا نرفض تمثيل الفئات والطبقات التي تحتلّ الشارع؟

رابعاً،
أيّ طرح أو خطاب لا يسعى الى استعادة واسترداد كلّ ما أخِذ منّا هو مشروع ساقط. وهنا لا اتكلّم عن استعادة الأموال المنهوبة التي تسوَّق بسذاجة وشعبوية، بل عن أساليب عيش ومبادئ انتُشِلت منا وباتت تستخدَم ضدّنا. ولعلّ أهمّها هو فعل المقاومة، وهو ما توقّعناه في الخطاب الذي خوّننا وحرّض علينا قبل أيام عندما تجرّأنا على تسمية الاحتكارات بأشكالها الاقتصادية والسياسية. ففي ظلّ هذه الخطابات المحرِّضة والساخرة، نرى المجموعات النخبويّة تتجاهل كلّياً الحقوق الاقتصادية والاجتماعية التي حرّكت الشوارع والتي لا تطالب بإسقاط النظام وحسب، بل ببناء نظام يشبهها ويحارب أيّ محاولات لإبقائها في هوامش الحركات البديلة ومعها المطالبة بالعلمانية وحقوق الاقليات وخصوصاً اللاجئين.


السلطة اليوم تعايرنا بتقديمها قانوناً لمكافحة الفساد وبجهودها الإصلاحية التي تحمّل مسؤولية فشلها للآخر المجهول وغير المسمّى. فهل نعيد إحياء الماضي القريب ونتبنّى خطابها الفوقي والتقني نفسه، أم نجهد أخيراً للتعلّم من الأخطاء الفادحة التي انتفض الشعب بالرغم منها وحطّم جدران الخوف؟
الرهان اليوم على الشارع الذي غنّى ورقص على ألحان الشعب يطالب ولا يفاوض، وحيّا المناطق الأخرى، واسترجع المساحات العامّة من خلال بناء شبكات تواصل ومناصرة تعيد اليوم صياغة الهوية اللبنانية.