شعبويّتنا وشعبويّتهم

تواجه الحياة السياسية منذ 17 تشرين، وقبلها، نوعًا من الشعبوية الانتهازية، شعبوية تعتمدها السلطة، خاصة في أوقات ضعفها الشحيحة. تعتمد هذه الشعبوية بشكل ممنهج على تسعير الخوف من الآخر وإثارة الأحقاد على الأجانب.

إنّها شعبوية مذلّة للإنسانية. وقد يكون من أبرز تعابيرها في الوسط السياسي اللبناني عنصرية رئيس التيار الوطني الحر، جبران باسيل، بخاصة في خطابه حول اللاجئين السوريين، الذين حسب خطابه الرثّ يهدّدون وجوده (لبنان) بتمزيق نسيجه الاجتماعي.


من هنا كان لا بد من طرح بعض التساؤلات:
هل مواجهة خطة السلطة تستوجب سلاحاً مختلفاً؟
هل الهجوم على السلطة ممكن من خلال سلاحها وعدّتها التي تستعملها بشراسة مفرطة وحقد دفين؟
هل ممكن لمفهوم «الشعوبية» أن يكون له بعد ثوري؟

في رثائهما لليسار الخشبي، يدعو شانتال موف وإرنستو لاكلو اليسار للانتقال إلى يسار شعبوي جذري في شموليته. فاليسار القديم، حسبهما، بسبب سياساته الطبقية الراديكالية وإنتاجيته وإحصاءاته القديمة يموت في كل مكان. والشعبوية، بهذا المعنى، ليست حكرًا على اليمين المتطرّف.

وهذا ما يحتاج لمقاربة جديدة بين الـ«نحن» والـ«هم»، مقاربة تحفّز ضد خصم وليس عدوّ مشترك، وتقلب مفهوم الشعبوية اليمينية المتطرّفة.
 
معادلة بسيطة: «نحن الناس كل الناس» و«هم الأخصام». 


لننطلق أوّلاً من فكرة أنّه من دون «ديموس»، أي الشعب، لا وجود لـ«كراتوس»، أي حكم، بوصف الديموقراطية هي حكم الشعب، وليس فئة منه. قد يكون في مجتمعاتنا غطاء طائفي أو عرقي لهذه الفئة، ولكنّها فعليًا هي الواحد بالمئة التي أطلق عليها اليونانيون كلمة «الأوليغارشية». هي الواحد بالمئة التي تحكم سيطرتها على مكامن حياة الناس من صحة وغذاء وعمل، وتتلاعب بخوفهم وقلقهم الوجودي.

في وجه «الأوليغارشية»، لا بدّ إذاً من شعبوية، ولكن باتجاه عمل إنساني تكاتفي، شعبوية تعتبر الواحد بالمئة أخصامًا وليسوا أعداءً.

إنّها شعبوية لا ترتكز على استثمار العاطفة وتجييش الذاكرة الشعبية وتمجيد الملاحم. هذه الشعبوية نتركها لرئيس حزب القوات اللبنانية عندما يصرّح إنّ الشيخ بشير الجميّل، هو أساس الثورة الحقيقيّة. أما الشعبوية التي ندعو لها، فهي شعبوية ملتصقة بـ«الناس كل الناس»، بفئاتهم المهمشة والفقير، وبإختلافاتهم الجنسية والعرقية والطائفية.

إنّها شعبوية تهدف لإعادة تفعيل العمل السياسي الديموقراطي التشاركي في وجه الاستغلاليين، وإلى عملية «تثوير» جديدة في وجه الخصوم.

إنها شعبوية ترفض تحديد المنازعة بأنّها طبقية أو دينية او طائفية أو مرتكزة على «الهيهات». هذه الشعبوية نتركها لأمين عام حزب الله وشعاره الأبدي هيهات منا الذلّة. أما الشعبوية التي ندعو لها، فهي تنطلق من لغة عمومية أخلاقية مشتركة عادلة فيها الحقوق والمساواة للجميع. أما الشعبويات الفئوية، فهي محصورة بالخصوم، وبأقوالهم، كقول وليد جنبلاط لن نقبل بمحاولة إذلال بني معروف.


نحن أمام صراع بين شعبوية محدّدة المنازعة وشعبوية جامعة أخلاقية، تنطلق من العمل التشاركي التعاضدي الذي تقوم به الكثير من المجموعات من دون أي شكل من أشكال التمييز. فلا خيار آخر غير الشعبوية، ولكنّ الشعبوية التي نريد هي التي تحمل خطاباً يسعى إلى بناء عدالة اجتماعية ومساواة وليس مجرّد خطاب شعبوي آخر يُشيطن ويحتقر ويحضّ على الكراهية.

هذه الدقائق القليلة

تأسيسًا على هذه المعطيات، الحل الوحيد المتاح أمام المجموعات هو العودة إلى اليومي، وتثويره، العودة مثلًا لما ساد بداية الانتفاضة

النوادي العلمانيّة والهيمنة المضادّة

تجربة النوادي العلمانية في الجامعات اللّبنانية التي رأت في الهيمنة الثقافية المضادة الرهان الأقوى لهدم قواعد النظام وبنيته، خصوصاً بعدما فازت في الإنتخابات الطلابية