صراعاتٌ حول لا شيء

حين تشكّلت الحكومة قبل قرابة سبعين يومًا، كان الشارع يغلي. وإذا ما وضعنا جانباً المطالب السياسيّة، كانت الأنظار تتّجه إلى مطالب اقتصاديّة أساسيّة: إيجاد حلّ لإجراءات المصارف بحقّ المودعين، منع تدهور سعر الصرف، وإنجاز خطّة اقتصاديّة لرسم مسار الخروج من الأزمة، واستعادة الأموال المنهوبة.

بعد سبعين يومًا، حصل العكس تقريبًا. بات مسلّمًا به أنّ المصارف لن تسلّم أيّ دولار من الودائع، تدهور سعر الصرف بطريقة دراماتيكيّة، اختفى الحديث عن الأموال المنهوبة، فيما لا تزال الخطّة الاقتصاديّة عبارة عن مسوّدة تقشّفيّة همّها ترتيب الحسابات المصرفيّة.

رغم ذلك، يبدو رئيس الجمهوريّة سعيدًا بأنّ هذه الحكومة أنجزت في سبعين يوماً ما لم تنجزه حكومات أخرى في ثلاث سنوات. ويبدو رئيس الحكومة راضيًا لأنّه تمكّن خلال السبعين يوماً من مواجهة سبعين مصيبة.

لكنّ الإنجاز الأكبر للحكومة لم يكن إلا الانتقال من صراع إلى آخر بين أجنحةٍ تحاول تحييد نفسها عن الانهيار. فما كاد ينتهي الصراع حول توزيع مسؤوليّات الإفلاس بين المصارف والدولة، حتّى اشتعل صراعٌ آخر بين الحكومة والقوى السياسيّة حول جلسات الأونيسكو النيابيّة، ليعود الصراع ويشتدّ بين الحكومة ومصرف لبنان، بسبب تسارع انهيار سعر الصرف.

كما حاولت المصارف طيلة الأسبوع الماضي التملّص من دورها في الحلقة الجهنّمية التي ربطت أموال المودعين بالدَّين العام، رفع رئيس الحكومة اليوم إصبعه في وجه حاكم مصرف لبنان. لكنّ جلسات المجلس النيابي تبقى الأكثر تعبيرًا عن زيف هذه الصراعات التي تندرج ضمن أجنحةٍ داخل سلطة اتّفقت على تحميل عموم الناس أعباء خساراتها.

اشتعل «الصراع» بعد تطيير نصاب الجلسة الأخيرة لمجلس النوّاب، وتأجيل النقاش حول مشروع قانون لتوزيع الحكومة أموالاً معدّةً لـ«التحفيز والأمان الاجتماعي». وقد فصّلت وزيرة الدفاع زينه عكر توزُّع تلك الأموال بين هبات ومساعدات تُصرف نقداً للأسر الأكثر فقراً ومساعداتٍ عينيّة للمزارعين، وقروض بفائدة صفر تُصرَف لتحفيز الاقتصاد: دعم المؤسّسات الصغيرة والمزارعين والحرفيّين وتمويل المواد الخامّ للمؤسسات الصناعيّة.

أرادت الحكومة، بعد تطيير النصاب، تصوير نفسها كراعيةٍ لشؤون الناس، فيما القوى السياسيّة التي وقفت في وجه الهيركات لتحمي كبار المودعين هي نفسها التي تقف في وجه خطّة الأمان الاجتماعي، وهي نفسها التي نهبت البلد أصلاً.

صحيحٌ أنّ القوى السياسيّة قد فعلت كلّ ذلك وأكثر، وصحيحٌ أيضاً أنّها تريد حصر تلك المساعدات بقنواتها هي وربّما لأتباعها حصراً، لكنّ تصوير الأمر كما لو أنّه صراع بين وجهتَيْن لا يمتّ إلى الحقيقة بصلة.

لماذا؟

لأنّ هذا النوع من المساعدات، وبعكس ما تدّعي الحكومة، غير مرتبط بالوضع الطارئ للكورونا. فهذا المشروع ليس عبارةً عن مساعدات طارئة، بل يشكّل التصوّر الرئيسيّ لتعاطي الحكومة مع مشكلات الفقر وتدنّي المعيشة لدى اللبنانيّين.

ليس مشروع الأمان الاجتماعي إلا انعكاساً للسياسة الاقتصادية التي تريد الحكومة اتّباعها، كما ظهرت في مسوّدة خطّتها الاقتصادية المالية. فقد بُنيت تلك المسوّدة على منطق تقشّفيّ يضرب مصالح عموم الناس، لا سيّما من خلال اعتبار حجم فاتورة رواتب القطاع العام مضخَّماً والدعوة بالتالي إلى «عقلنة» هذا القطاع، إضافةً إلى تجميد الأجور لمدّة خمس سنوات.

يحدث ذلك في الوقت الذي تعرف فيه الحكومة جيّداً أنّ هذه السنوات الخمس ستكون حافلةً بالتضخّم، إضافةً لخسارة القدرة الشرائية لعموم المواطنين التي حصلت أصلاً منذ انفجار الأزمة الاقتصادية نتيجة انهيار سعر الصرف. فتخيّلوا مثلاً الحدّ الأدنى للأجور الذي كان سائداً حين كان الدولار بـ1500 ليرة سيبقى كما هو حين أصبح الدولار بـ4000 ليرة، لا بل سيبقى مجمّداً طيلة خمس سنوات.

الواقع هو أنّ الحكومة نفسها أقرّت أنّ خطّتها ستزيد من معدّلات الفقر ومن تدنّي مستوى معيشة عموم اللبنانيّين، لكنّها لم تبنِ خطّتها على أساس تفادي ذلك أو تعويضه، بل على مبدأ ضرورة التعايش مع الفقر ومحاولة الحدّ منه لا عبر سياسات اجتماعية واقتصادية بل عبر مساعدات وقروض من البنك الدولي.

لقد فصلت الحكومة في خطّتها كلياً بين ما هو سياسة اقتصادية وما هو شبكة أمان لعموم اللبنانيين. كأنّ الأكثر فقراً وهشاشةً لا يستحقّون أن يكونوا جزءاً من أيّ سياسات اقتصاديّة، بل هم في أفضل الأحوال الأضرار الجانبيّة للخطّة الموعودة ينبغي إسكات صوتهم بمساعدات تأتينا، إن أتتنا، من خارج الاقتصاد لنتصدّق بها عليهم.

في كلمته اليوم، بدا وكأنّ ريشًا نبت لحسّان دياب. ربّما كان ريش الإيغو، وربّما ريش دعمٍ من حزب الله. لكنّ المواجهة مع رياض سلامة لا تحتاج لطاووس جديد، بل لرؤيةٍ اقتصاديّة جديدة.

أنا الحاكم

لن ينتظر حكومةً، ولن ينتظر مجلس نوّاب من مصدرَيْن: أموال أصحاب المصارف، وودائع كبار المودعين تدهور لا قاع له، ربّما، لسعر الصرف يُغفل هذا النقاش المسألة الأساس وهي نهب المال العام فعلها الحاكم لوحده، وبملء إرادته وأنّ الحقّ ليس إلا على سعر الصرف

سرديّة المصارف: الحقّ على الدولة

يبدأ البيان بالاعتذار للمودعين نتج هذا الانكشاف، في الواقع، عن نمط من العمليّات قامت بها المصارف ومصرف لبنان بإرادتهما معاً معركة السرديّة سوى مقدّمة لمعركة الحلول المقترحة وتوزيع الخسارة برغبة المصارف بالدخول في خندق واحد مع المودعين في وجه الدولة المتعثّرة