صوت الذين لا صوتَ لهم

خلّيهم يجربوا، شو أنا حبّة أو حبتين

(سعد الحريري بعد سؤاله عن نيّة ممكنة لدى حكومة دياب لإقالة العماد عثمان، كانون الثاني 2020)

عندما تصبح وزارة العدلية غير منتمية أذهب. الضعيف يذهب إلى القضاء

(نبيه بري ردًّا على ميشال عون خلال أزمة ترقية الضباط، كانون الأول 2017)

يقول لنا رئيس مجلس نوّاب، وهو محامٍ أصلاً، إنّ القضاء منحازٌ ولا يقصده إلا الضعيف. ويقول لنا رئيس حكومة خلعها الشارع إنّه لن يسمح بإقالة مدير مؤسّسة أمنية، ممّا يعني في أقلّ تقدير أنّ المؤسّسة بأكملها محسوبة على طرف سياسي. وهو أمر لا تصعب قراءته بين سطور الرواية العثمانية عن مواجهات ثكنة الحلو، حيث قدّم اللواء صورةً ورديةً عن «نقاشات» كانت تدور بحسبه أمام الثكنة، تحوّلت إلى العنف تحديداً عند وفود المتظاهرين من المصرف. رواية تُخالف وقائع عديدة أهمّها أنّ احتكاكاتٍ مع قوى الأمن حصلت قبل وصول مجموعات المصرف بساعات، ومنها مع مصوّر صحفي تمّ احتجازه لمدّة قصيرة داخل الثكنة.

نافياً أي علاقة له بالسياسة، حاول اللواء عثمان في مؤتمره الصحفي البارحة أن يدافع عن ممارسات مؤسّسته عبر التنقّل بين منطقَيْن. فقدّم المؤسّسةَ على أنّها قبضةُ النص القانوني، من جهة، وأنها مؤلّفة من أفراد لكلٍّ منهم مشاعر وانفعالات، من جهة أخرى، فالعنصر الأمني «ليس آلة».

ماذا يقول العنصر- الإنسان للعنصر- الآلة؟

يحقّ لنا أن نتساءل: إذا كان المدير العام لقوى الأمن الداخلي في معرض التمييز هذا حين يتعلّق الأمر بعنصر أمني، فكيف لنا نحن المواطنين أن نفهم علاقتنا مع القانون في طريق استعادتنا لحقوقنا المسلوبة؟ أليس لأمثالنا مشاعر وانفعالات؟

يقدّم اللواء عثمان نفسه على أنه «صوت الذين لا صوت لهم»، صوت العنصر- الإنسان المحروم قانوناً من التعبير عن رأيه في الإعلام. لكنّه، ومعه الحريري، ينسفان المقولة هذه ويؤكّدان لنا مجدّداً اختطاف القانون في تشريعه وتعديله وتطبيقه من قبل الخريطة السياسية- المالية التي خرج الناس لإسقاطها ومحاسبتها. أمّا العنصر- الإنسان، القلب النابض خلف الهراوة، فلا وجود له في عُرف هؤلاء إلا حين تستدعيه الضرورات الخطابية في السياسة. وهذا مثال عن خطورة التعامل الآلي مع أي نص تشريعي، إذ يكون مدخلاً للتوظيف ممّن يمتلك القوّة ويحتكرها.

مثالٌ آخر ورد في المؤتمر نفسه، بطله نقيب الصحافيين (قانوناً) عوني الكعكي الذي أكّد للمراسلة ليال بو موسى أنه يتحدّث باسمها شاءتْ أم أبتْ، فهو «منتخب وبالأغلبية»… يفرض عليها تمثيله لها وللصحافيّين جميعاً، ليعرب في مداخلته عن تأثّره الشديد باعتذار اللواء، مؤكّداً رواية الفرز بين متظاهر أليف وآخر شرير: أنا الشرعية، ومن خالفني خارج الملّة.

هو منطق العودة الذي يستبدل منطق التقدّم. وهذا ما أفصحه عثمان في كلمته لمجلة قوى الأمن بعنوان «العودة إلى الكتاب» (وفيه كعنوان إحالة دينية واضحة): إن النصوص المكتوبة، في الدستور والقوانين، أتت مفصَّلة لتعليل وتبرير كل عمل على المؤسسات والأفراد اتّباعه أو التقيُّد به، لذلك علينا جميعاً العودة إلى الكتاب وأعني بذلك النصوص التشريعية، ممّا يجعل العمل أكثر انتظاماً في مؤسّسات الدولة لتكون هي قدوة المواطنين، وعلينا التكاتف لدحض ما يشاع حول عدم الثقة بالدولة.

لكنّ سقوط الثقة بالدولة ليس إشاعةً قابلةً للدحض، بل حقيقة تضع اللبنانيين أمام ضرورة إعادة النظر في كافة السلطات، انطلاقاً من ميزان العدالة التي تطمح الثورة إلى إحقاقها. أما النصوص، فما هي إلا مقدّمات للتأويلات، وليس افتراضُ احتوائها كلّ شيء إلا ترويجاً لقراءةٍ واحدة هي قراءة الأقوى الآن. وبذلك، فإنّ حماية العنصر- الإنسان تكون بمراجعة النصوص وتطبيقاتها انطلاقاً من العودة إلى روحها وتطلّعاتها نحو العدالة وحماية المواطنين لا مصالح الأقلية الحاكمة، بدءاً من تحييد منصب إدارة المؤسّسة عن صراعات طرفَيْن سياسيَّيْن يتحمّلان معاً مسؤولية خراب البلاد.

لا شك أنّ النظر إلى الثورة بعَيْنٍ قانونية آلية جامدة يظلمها بل يحاربها في شرعيتها، وهي التي تولّدت من عجز القانون في تطبيقاته السائدة عن تحقيق الحدّ الأدنى المعقول من العدالة. فمَن يعتبر الآن المسيح مخرِّباً عندما قلب طاولات الصيارفة (متى 21: 12-19)؟ ومن يرى الآن محمّداً قاطعَ طُرق لأنّه أغار على قوافل قريش حتى قال صفوان بن أمية لقومه إن أقمنا في دارنا هذه أكلنا رؤوس أموالنا؟ من منكم؟

إنها مسألة وقت.