ضبط التعليم الخاص، تعزيز التعليم العام

بصرف النظر عمّا تدّعيه الجامعات الخاصّة، وعن أنّها تكذب وتُضَلّل، وبصرف النظر عن بدعة «المؤسسة التي لا تبغى الربح»، سنسلّم جدلاً أنّ الجامعات فعلاً مأزومة.

سنسلّم جدلاً أيضاً أنّ حلولاً مرحلية لهذه الأزمة ممكنة، وبالتالي لا ضرَر في خوض الصراع في هذا الميدان علّنا نحقّق هذه الحلول، علّنا نزَخّم الحَركة ونسيّس ما تجاهد الإدارة لحصره بالاقتصاد، وعلّنا نحدّ من الضرر الواقع على الفئات الاجتماعية المتواجدة في هذه المؤسّسات: عمّال، وأساتذة، وطلاب.


إنّما ما ذُكر للتَو لا يمكن أن يشكّل صورةً كاملة، هو جزئيّ ومن الخطأ اختزال المعركة به. ولرسم الإطار الكلّي، سننطلق من مسلّمتَين:

  1. أزمة قطاع التعليم من أزمة النظام. حل الأولى من حل الثانية، دون أن يعني ذلك أن ننتظر حتى يتغيّر النظام لتنحل أزمتنا.
  2. ضمن قطاع التعليم نفسه، تتمظهر الأزمة اليوم في التعليم الخاص، لكنّ حلّها يكمن في التعليم العام.

ملاحظة: تنجح إدارات الجامعات الخاصة بتبرير إجراءاتها على أنّها حلّ لأزمة تواجهها في مستحقّاتها. فعلياً، يمكن لهذه المؤسّسات أن تستمر لمدّة مقبولة قبل اتّخاذ تدابير كهذه. والأجدى أن تطال التدابير الإداريّين قبل الطلّاب. كما أن كلام اليوم عن أزمةٍ ما في الجامعات الخاصة، لا يختزل واقع أنّ هذه الجامعات سلّعت التعليم تاريخياً دون أن يقتصر ذلك على قرار الدولرة الأخير، ولا يحجب وجود أزمة فعلية في الجامعة اللبنانية، تعمّقت أكثر فأكثر في العامَين المنصرمَين.


للمواجهة، طُرِحَت مروحة خطابات، أحصرها بمسارَين- أدعم الرفاق والرفيقات في كلَيهما وأشارك في تزخيمهما، دون أن أجد نفسي في أيٍّ منهما، وهما:

  1. حل الأزمة المستجدّة في التعليم الخاص، مع سلّة مطالب كانت موجودة قبل الأزمة، والمرور ختاماً على الجامعة اللبنانية.
  2. الفشخ فوق التعليم الخاص، لا بل اعتبار ألّا مهمّة نقوم بها هناك، والتمترس بالشعارات الواسعة نفسها حول الجامعة اللبنانية (تعزيز الموازنة واستقلالية القرار)، إنّما دون أي آلية عملية لبلوغها.

فعليّاً، لا قسمة ميكانيكية في المواجهة. المعركة في الميدانَين، لكن بتفاوت. الجامعة اللبنانية مهمّشة بسبب تمادي الجامعات الخاصة، الجامعات الخاصة تتمادى بسبب هشاشة الجامعة اللبنانية. حلقة مُقفلة، من الاتّجاهَين، ولا يمكن البحث بطرفٍ منها دون الآخر.


تختلف المهام والأولويات، مرحليّاً، إنّما يُفتَرض العمل في قطاعَي التعليم لتحقيق الغاية الواحدة. أمّا النقاش فيصبح حول طبيعة هذا العمل. من جهتي، أكثّفه بعنوان «ضوابط على التعليم الخاص، تعزيز التعليم العام».

أمّا التفصيل العملي لهذا العنوان فهو:

  1. الاستفادة من حالة الصراع القائمة حالياً بين الجامعات الخاصّة والجَو الطلّابي، لمحاربة كارتيل الجامعات الذي يحاربنا، وبشعاراتٍ تتخطّى مسألة الأقساط، تصل إلى الضوابط على التعليم الخاص: تجميد الأقساط، تحديد حدّ أعلى للأجور، التصريح عن الموازنات وعن الأرباح بغية إخضاعها للضرائب، اتّخاذ الوزارة دورها في الإشراف عليها، سحب بعض التراخيص… ففي نهاية المطاف، ليست الجامعة الخاصة «مؤسّسة خاصة» بالمعنى الدقيق، بل، لِكونها قد أُعفيَت من ضرائبها، أمسَت مؤسّسة ذات مسؤولية اجتماعية، وبالتالي تخضع لشروط تحدّدها الدولة. فلتحدّدها الدولة!
  2. الكلام عن تعزيز ميزانية الجامعة اللبنانية، دون التصويب على آلية هذا التعزيز، كلام فارغ. من هنا طرح العنوان: إعادة النظر بالسياسة الضريبية (لِكون ميزانية الجامعة اللبنانية تُحدَّد سنوياً عبر الموازنة العامة، والإنفاق في الموازنة يرتكز بشكل أساس على السياسة الضريبية)، وترتيب الإنفاق وفق أولويّات جديدة، بحيث تكون موازنة الجامعة اللبنانية في متنها، لا على الهامش، كما يحصل منذ الطائف، حيثُ تُقطَع دورياً وبشكلٍ ممنهج نسبة من الميزانية، حتى صارت تعجز عن تأمين حاجة الطلّاب من الأوراق.

هذَان الاتّجاهان، وهما مساران متوازيان يتوَجّبَ علينا خوضهما معاً، في نضالٍ في الجامعة اللبنانية كما في الجامعات الخاصة، يُتَوّجان دائماً وأبداً بتمسّكنا الدائم بمسؤولية الدولة بتمويل التعليم، تمويله حدّ جعله مجانياً ومفتوحاً أمام كل الفئات الاجتماعية، وبالجودة عينها. وذلك لا يتم إلّا بكسر احتكار القطاع الخاص للتعليم وتخفيض كلفته فيها، عبر الضوابط، وذلك لا يتم إلّا بتعزيز مستوى وميزانية الجامعة اللبنانية– والعكس، وهكذا دوالَيك.