ضريبة «تربيح الجميلة» الوطنيّة

يمتلك وزراء الحكومات التي تعاقبت على البلد قدرةً عالية على الإبداع والمراوغة. سلّمنا لهم بهذه القدرة بعدما اثبتتها الأحداث والظروف الماضية، فتخرّجوا برتبة «حذِق جدا». الّا إن ذلك لا ينفي وقوعهم في شباك إهمالهم ونسيانهم، ولو للحظة، لأدوارهم في مسرحية «شراء الوقت في زمن الانهيار». وقد كان ذلك موعده مشروع الموازنة، على الرغم من انه حل علينا متأخراً، وفي وسط أزمة لن تتمكن اعلى درجات التحاذق من حلّها.

فإذا تغاضينا عن الموازنة بشكلها الذي تفضّل به وزير المال غازي وزني، وهي التي لا تقدم ولا تؤخّر شيئا سوى احتسابها للإيرادات واعتمادها سعر الصرف الرسمي للدولار 1500 ليرة (أجل، 1500)، فإن السيد وزني قد قام بالخطوة الزائدة وبذل جهدًا خاصًا لكي يكون للموازنة نقطة قوة وارتكاز تُظهر لنا بوضوح انه قد قام بواجبه.

فمن قال لكم يا أيها المواطنون ان المغتنين من فوائد الدين العام وهؤلاء الذي استغلوا مناصبهم وسرقوا ونهبوا لن يدفعوا الثمن؟ الا تعتبر الحكومة نفسها امينة على الشعب؟ بالتأكيد، وقد أرادت ان تبدأ بإنهاء هذه الفوضى العارمة. لذلك، سوف تستعين بإخوتنا الأكثر حظًا ونعمةً لكي يساهموا في تعويض خسائرنا الضريبية، مثلما تجمع العائلات «لميّة» من أبنائها الميسورين، للعمّ الذي خانه الزمان في آخر العمر.

لمّيّتنا كانت في اقتراح ضريبة «التضامن الوطني».

تبدو شاعرية ورومنسية الاسم المبتذلة أوقح من «الواحد في المئة» التي تفرضها على حسابات المليون دولار وما فوق. فهي تعتبر ان اقتراح ضريبة على الحسابات الكبيرة، والتي يعود اكثرها لطاقم الحكم والزعماء ورجال الاعمال التابعين لهم، حسنة وتضمان فيه إلفة ومحبة نابعة من وطنية ومسؤولية.

فيا أيها المواطن الحاقد تريّث، ولا تحكم بالسوء على من سيقف الى جانبك في محنتك هذه التي سببت نفسها بنفسها. فنحن الان، وبفضل نباهة الطرح هذا، وأخلاق أصحاب الحسابات الكبيرة، سنحصّل مبلغًا زهيدًا لن يساهم ابداً في عمليات الإصلاح المتكامل والتنمية الشاملة التي لم تقترحها الموازنة أصلاً!

لقد نجحت ضريبة التضامن الوطني في التحاذق، فتوّجت نفسها ضريبة على الثروات. هي فعلاً تبدو كذلك عن بعد، ولكن عند الاقتراب منها، نرى نسبة الواحد والاثنين في المئة، ولمرّةٍ واحدة استثنائياً، مما يجعلها منافية للهدف الإصلاحي والتنموي. وتتضح حقيقة انها تبرعٌّ وإحسان وبدل مماطلة فقط لا غير.

التضامن الوطني عبر ضريبة مزيّفة وضمن لعبة شراء الوقت وكليشيهات تعاطف الأثرياء مع الفئات الأخرى لا يساهم الا بتثبيت فكرة ان الفاعل مجهول، والازمة حلّت بنا من غيب، ويدفع بنا نحو المزيد من الشتات والتردد في المحاسبة التي لن تحصل في أي وقت قريب. فضريبة كهذه إما أن تُفرَض دورياَ وبنسبة اعلى بكثير مصحوبة بإصلاحات أخرى، وإمّا يستحسن عدم طرحها لوقاحتها، ولتتجنّبِ الحكومة إحراج نفسها، وهي في أكثر المواقف احراجًا في تاريخ لبنان الحديث. إن الثروات التي كدسها هؤلاء عبر السرقة والنهب بالكاد ستُخدَش، وكل ما سينتج عن الامر «تربيح جميلٍ» وتمديد في عمر هذه الطبقة، وبقاء خيار «الهيركات» بعيداً يلوح في الأفق.

بالعودة الى التضامن الوطني أخيراً، فإنه كناية عن تمثيلية تمكّن كبار الرأسماليين، وبمشاركة الحكومة كراعية للعملية، من لعب دور فاعلي الخير والتبرّع بأموال زهيدة بعد ان استحصلوا على ثرواتهم من الناس ومن الدولة.

ميزانيّة الجامعة اللبنانية: هنا يبدأ التسليع

ضُرِبَت الجامعة لناحية كادرها البشري، كما لناحية ميزانيّتهااللاتخطيطالتشحيلالاقتطاعات85% من الميزانية هي للرواتب والأجور و15% فقط كلفةً للتشغيلأمّا منطق اليوم، فهو التسليعالجامعة اللبنانية تلفظ أنفاسها الأخيرة

جمعة الموازنة

الجلسة كانت تاريخية: كان في أمن أكتر ما في ناس، 3 ساعات بس لمناقشة وإقرار موازنة بلد مفلّس؛ 5 نواب انسمحلن يحكوا؛ والأرقام يلّي توافق عليها ما إلها طبعاً أي علاقة بالواقع