طائرات ماكرون

عند الثانية والنصف من بعد ظهر اليوم، الأوّل من أيلول 2020، خرق صمتَ بيروت المنكوبة صوتُ طائرات عسكريّة فرنسيّة ولبنانيّة حلّقت على علوّ منخفض ورسمت في أجواء العاصمة ألوان العلم اللبنانيّ.

أعاد هدير تلك الطائرات إيقاظ الصدمة التي لم يشفَ منها سكّان العاصمة، بعد مرور أقلّ من شهر على دويّ انفجار المرفأ. للحظات، تخيّل كثيرون أنّ أكياساً إضافيّة من نترات الأمونيوم قد انفجرت. بعض هؤلاء لم يتمكّنوا بعد من استبدال زجاج نوافذهم المحطّمة، فدخلت أصوات طائرات ماكرون مباشرةً إلى غرف نومهم. لم يعرفوا ولم نعرف أنّ ماكرون وعون كانا في هذه اللحظة واقفَيْن في بهو قصر بعبدا يشاهدان معاً سرب الطائرات الحربية تحتفل بلبنان الكبير.

لم يتقصّد ماكرون، على الأرجح، أن يبثّ الرعب من جديد في نفوس اللبنانيّين، وهو الآتي بفيضٍ من الحنان تجاه «لبنان الكبير». لكنّ حادثة الطائرات هذه شديدة الدلالة، إذ تُظهِر انعدام حساسيّة «المنقذ» الفرنسيّ تجاه جريمة المرفأ، تلك التي يتشارك ومضيفه اللبناني النظرة إليها باعتبارها باتت وراءنا.

فبالنسبة لعون، انتهت «الحادثة» حين أعادت الاهتمام الغربي تجاه لبنان، فحلّت البهجة مكان الحزن. وبالنسبة لماكرون، انتهت «الحادثة» حين أتاحت استغلال لحظة الصدمة لدى أولئك القادة لدفعهم نحو تبنّي جدول أعمال اقتصاديّ يعيد إنتاج المافيات اللبنانيّة، وتستفيد منه الشركات الفرنسية مباشرةً أو من خلال الصراع على النفوذ في المنطقة.

لقد باتت «الحادثة» وراءنا. هكذا يريد برنامج ماكرون، وهو برنامج للتعاطي مع نتائج الانهيار الاقتصاديّ كأنّ ما جرى بعده ليس إلا لحظةً عابرة. كأنّنا أمام مشهد عجوز داخل بيته الآن في شارع مار مخايل، بيته الذي يسكنه منذ خمسين عاماً، لا يزال ممدّداً على السرير عاجزاً عن الحركة وآثار القطب بادية على وجهه من دون أن يعرف إن كان سيستمرّ قيد الحياة أم لا. ينظر إلى التلفزيون، فيجد ماكرون يخرج من قصر الصنوبر محاطاً بمجموعة من القَتَلة ليقول له: لا تهتمّ يا عمّ. لقد اتّفقنا على التدقيق الجنائيّ في حسابات مصرف لبنان.
لا تقلّل هذه الصورة من أهمية التدقيق الجنائي. لكنّها تُظهر كم بات هذا التدقيق ينتمي لماضٍ بعيد رغم أنّه ليس بعيداً. بات للتدقيق الجنائي حين يُطرَح على هذا المنوال وظيفة واحدة: إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، والتعمية على الجريمة لإنقاذ الطقم السياسي الذي سيعتمد برنامجُ الإنقاذ على حسن سلوكه.

فبعد الانفجار، لا نتحدّث عن طقم منتخب اتّبع سياساتٍ خاطئة أو منحازة أدّت إلى ما أدّت إليه. ولا نتحدّث عن سرقات وعمولات واحتكارات. نحن أمام المسؤولين عن تدمير العاصمة بالمعنى الحرفيّ للكلمة. منهم مَن يتحمّل مسؤوليّةً سياسيّة، ومنهم من يتحمّل مسؤولية مباشرة تتجاوز المسؤولية السياسية. هناك مَن كان يعلم بوجود نترات الأمونيوم ولم يتّخذ الخطوات اللازمة، وهناك مَن استحضر عمداً شحنة النترات أو على الأقلّ أذن بتفريغها وتخزينها، وهناك من سكت طيلة سنوات رغم معرفته بوجودها.

فإذا كانت جريمة قد وقعت في وضح النهار وقتلت بشراً أسماؤهم معروفة وحوّلت جثث بعضهم إلى أشلاء، ودمّرت أجزاء من المدينة، لا تستدعي مسؤوليات سياسية، فهل يريد ماكرون أن يقنعنا بأنّ مراقبة أرقام الحسابات الوهمية وتبييض الأموال والدفاتر السرية والتحويلات العصيّة على التتبُّع ستقود إلى محاكمات وعقوبات؟
لا بل هل يريد لنا ماكرون أن نعتقد أنّ من يملك الثروات في هذه البلاد هم مختلفون عن قادة المافيات وحاشياتهم؟

أصرّ ماكرون على الترداد خلال زيارتَيْه أنّ عليه أن يتعاون مع قادة المافيات كونهم منتخبين من الشعب وأنّه ليس من صلاحيّاته أو مسؤوليّاته تغييرهم. ووفقاً للمنطق نفسه، قد يجد ماكرون نفسه في الزيارة المقبلة مجتمعاً بسليم عيّاش نائباً منتخباً. ولمَ لا؟ وقد يناقشان معاً أهميّة التدقيق الجنائيّ في حسابات مصرف لبنان وسائر مؤسّسات الدولة، ما دام الانتخاب بات يتيح غسل الجرائم، إلى جانب غسل الأموال.

استباحت طائرات ماكرون اليوم حزن المدينة. كان هديرها أشبه بسكّين تتسلّى بجراحنا. لن نصرخ هذه المرّة من الألم. فزمن الحداد لم ينتهِ بعد.

شهرٌ على انفجارنا، مئة عام على بلادكم

رمزيّة هذه المئوية واضحة، مضجرة، حتى وقحة لربّما ينسينا الزواج المدني الاختياري أنّه كان يعلم مَن ابتكر بدعة «مصطفى أديب» ما زال هناك واقع يقاوم من خلال خرابه

باصات الله وأشباحه

الباص في أواخر الثلاثينات المدينة الى خارج أسوارها لبنان الكبير الذي لم تكن تريده اولادها الى الجامعات باصات سوداء، وأخرى لله وأشباحه أشباح مقاهي المدينة المطفأة التظاهرات المطالبة بالخروج السوري أولادها المتعثّرين في الحطام